يتضمن ذلك، ولهذا قرن بين الصلاة عليه والتبريك عليه، وقالت الملائكة لإبراهيم: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾[هود: ٧٣]، وقال المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾[مريم: ٣١]، قال غير واحد من السلف: معلمًا١ للخير أينما كنت. وهذا جزء المسمى، فالمبارك كثير الخير في نفسه، الذي يُحصِّله لغيره تعليمًا٢ وإقدرًا ونصحًا وإرادةً واجتهادًا، ولهذا يكون العبد مباركًا، لأن الله تعالى بارك فيه وجعله كذلك، والله تعالى مُتَبارِك؛ لأن البركة كلها منه، فعبده المبارك وهو المتبارك ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ١﴾[الفرقان: ١]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ١﴾[الملك: ١]، وسنعود إلى هذا المعنى عن قريب إن شاء الله تعالى.
وقد ردَّ طائفة من الناس تفسير الصلاة من الله بالرحمة، بأن قال: الرحمة٣ معناها: رقة القلب٤، وهي مستحيلة في حق الله سبحانه، كما أن الدعاء منه سبحانه مستحيل. وهذا الذي قاله هذا٥ عِرْق جَهْمِي يَنِضُّ٦ من قلبه على لسانه. وحقيقته٧ إنكار
(١) في (ح) (مُلِمًّا)، وسقط من (ج) من قوله (أينما) إلى (لغيره).
(٢) في (ب) (تعظيمًا) وجاء الحاشية (تعليمًا).
(٣) سقط من (ح، ج) فقط.
(٤) من (ب)، وفي باقي النسخ (الطبع).
(٥) سقط من (ش، ب، ج).
(٦) في (ب، ج) (نبض) وفي (ظ، ت) غير منقوطة.
(٧) من (ح، ت، ش، ج)، ووقع في (ظ، ب) (وحقيقة).
رحمة الله ﷾ جُمْلة، وكان جَهْمٌ يخرج إلى الجَذْمَى ويقول: أرحم الراحمين يفعل هذا! إنكارًا لرحمته ﷾.
وهذا الذي ظنه هذا القائل هو شبهة منكري صفات الرب ﷾، فإنهم قالوا: الإرادة: حركة النفس لجلب ما ينفعها ودفع ما يضرها، والرب تعالى يتعالى عن ذلك فلا إرادة له، والغضب: غليان دم القلب طلبًا للانتقام، والرب منزه عن ذلك، فلا غضب له، وسلكوا هذا المسلك الباطل في حياته وكلامه وسائر صفاته. وهو من أبطل الباطل، فإنه أخذ في مسمى الصفة خصائصَ المخلوق، ثم نفاها جملةً عن الخالق سبحانه، وهذا في غاية التلبيس والإضلال؛ فإن الخاصية١ التي أخذها في الصفة لم تثبت٢ لها لذاتها، وإنما يثبت لها بإضافتها إلى المخلوق الممكن، ومعلوم أن نفي خصائص صفات المخلوقين عن الخالق ﷾ لا يقتضي نفي أصل الصفة عنه سبحانه، ولا إثبات أصل الصفة له يقتضي إثبات خصائص المخلوق له، كما أن ما نُفِيَ عن صفات الرب ﷾ من النقائص والتشبيه لا يقتضي نفيه عن صفة المخلوق، ولا ما ثبت لها من الوجوب والقدم والكمال يقتضي ثبوته للمخلوق، لإطلاق٣ الصفة على الخالق والمخلوق. وهذا مثل الحياة والعلم، فإن حياة العبد تعرض لها الآفات المضادة
(١) وقع في (ظ) الخاصة.
(٢) في (ظ) (يثبت)، وفي (ت) غير منقوطة.
(٣) وقع في (ج) (ولإطلاق)، ووقع في (ظ) (ولا إطلاق).