ومن رجح القول الأول قال: دلت الآية على إباحة التعريض بنفي الجناح، وتحريم التصريح بنفي١ المواعدة سرًّا، وتحريم عقد٢ النكاح قبل انقضاء العدة، فلو كان معنى مواعدة السِّر هو إسرار العقد كان تكرارًا.
ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾[البقرة: ٢٣٥]، أن تتعدوا ما حَدَّ لكم، فإنه مُطَّلع على ما تُسِرُّون وما تعلون. ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ٢٣٥﴾ لولا مغفرته وحلمه لَعَنِتُّم غايَة العَنَتِ، فإنه سبحانه مطلع عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في شيء مما نهاكم عنه، فبادروا إليه٣ بالتوبة والاستغفار، فإنه الغفور الحليم.
وهذه طريقة القرآن، يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة، كقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٩٨﴾[المائدة: ٩٨]، وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾[فاطر: ٣٤]، لما صاروا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم، قالوا: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾، وفي هذا: معنى التعليل، أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته، فإنه غفر لنا السيئات، وشكر لنا الحسنات. وقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ
(١) من (ظ، ب)، ووقع في (ش، ت، ج) (بنهي).
(٢) من (ظ، ت، ش، ج) ووقع في (ب) (عقدة).
(٣) وقع في (ب) (عليه).
شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧] فهذا جزاءٌ لشكرهم، أي إن شكرتم ربكم شكركم، وهو عليم بشكركم، لا يخفى عليه مَنْ شَكَرَهُ ممن كفَرَه.
والقرآن مملوء من هذا، والمقصود التنبيه عليه.
وأيضًا فإنه سبحانه يستدل بأسمائه على توحيده ونفي الشريك عنه، ولو كانت أسماء١ لا معنى لها لم تدل على ذلك، كقول هارون ﵇ لِعبَدَةِ العِجْل: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾[طه: ٩٠]، وقوله سبحانه في القصة: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ٩٨﴾[طه: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ١٦٣﴾[البقرة: ١٦٣]، وقوله سبحانه في آخر سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ٢٢ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٢٣﴾[الحشر: ٢٢ - ٢٣]، فنزه٢ نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده، واستحالة إثبات شريك له.
ومن تدبر هذا المعنى في القرآن، هبط له على رياض من العلم، حماها الله تعالى عن كل أفَّاكٍ مُعْرِضٍ عن كتاب الله تعالى واقتباس الهدى منه. ولو لم يكن في كتابنا هذا إلا هذا الفصل
(١) وقع في (ب) (الأسماء).
(٢) في (ب، ش، ح) (فسبَّح نفسه)، وفي (ظ، ج) (فسبَّح نزَّه نفسه).