جلاء الأفهام

ومغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من الله، وحَيْرانٍ لا يعرف ربًّا يعبده، ولا بماذا يعبده، والناس يأكل بعضهم بعضًا، من استحسن شيئًا دعا إليه وقاتل من خالفه، وليس في الأرض موضعُ قدمٍ مُشْرقٍ بنور الرسالة، وقد نظر الله ﷾ حينئذ إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا على١ آثارٍ من دين صحيح، فأغاث الله به البلاد والعباد، وكشف به تلك الظُّلَم، وأحيا به الخليقة بعد الموت، فهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وكثر به٢ بعد القلة، وأعز به بعد الذلة، وأغنى به بعد العَيْلَة، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، فعرف ﷺ الناس ربهم ومعبودهم غايةَ ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدأ وأعاد، واختصر وأطنب، في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى تجلَّت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم٣ في هذا الباب: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ٥١﴾ [العنكبوت: ٥١].

  1. (١) وقع في (ب) (بقايا آثار دين صحيح).
  2. (٢) سقط من (ح).
  3. (٣) في (ظ) (كلّم).
193

٢٠٩ - روى أبو داود في مراسيله١، عن النبي ﷺ أنه رأى بيد بعض أصحابه قطعةً من التوراة فقال: "كفى بقوم ضلالة أن يبتغوا٢ كتابًا غير كتابهم٣ أُنزل٤ على٥ غير نبيهم" فأنزل الله ﷿ تصديق ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ٥١﴾ [العنكبوت: ٥١]، فهذا حال من أخذ دينه عن كتاب منزل على غير النبي ﷺ، فكيف بمن أخذه عن عقل فلان وفلان، وقدَّمه على كلام الله ورسوله ﷺ؟.

وعَرَّفهم الطريق المُوْصِلَ٦ إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، فلم يدع حسنًا إلا أمرهم٧ به، ولا قبيحًا إلا نهى عنه.

٢١٠ - كما قال ﷺ: "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به، ولا من شيء يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه"٨.

  1. (١) أخرجه أبو داوود في المراسيل رقم (٤٥٤)، والطبري في تفسيره (٢١/ ٦) وهو مرسل صحيح الإسناد. وروي مسندًا مرفوعًا، ولا يثبت.
  2. (٢) من (ت) والمراسيل، ووقع في (ش، ب) (يتبعوا) وفي (ظ) غير منقوطة.
  3. (٣) في (ب) (كتاب).
  4. (٤) وقع في (ظ) (الذي أُنزل) وهو خطأ.
  5. (٥) في (ش) (على نبي غير نبيهم).
  6. (٦) من (ظ، ت)، وفي باقي النسخ (الموصل لهم إلى).
  7. (٧) في (ظ، ت) (أمر به).
  8. (٨) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير * (٢/ ١٥٥ - ١٥٦) رقم (١٦٤٧)، وابن =
194

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي