٢١١ - قال أبو ذر: "لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكَرَ لنا منه علمًا"١.
وعرفهم حالهم٢ بعد القدوم على ربهم أتَمَّ تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يَدَع بابًا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مُشْكِلًا إلا بَيَّنَهُ وشرحه، حتى هدى الله تعالى به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه ﷺ، وجزاه عن أمته أفضل الجزاء.
= حبان (١/ ٢٦٧) وغيرهما *. من طريق ابن عيينة، عن فطر عن أبي الطفيل عن أبي ذر، فذكره. وهو خطأ، أخطأ فيه فطر بن خليفة فاضطرب فيه على أوجه. وصوابه: فطر عن منذر الثوري عن أبي ذر عند أحمد (٥/ ١٦٢)، وسيأتي. انظر: علل الدارقطني (٦/ ٢٩٠) (١١٤٨)، وأطراف الغرائب (٥/ ٥٥) * وللحديث شاهد منقطع عن ابن مسعود، وآخر مرسل عن المطلب. انظر علل الدارقطني (٥/ ٢٧٣)، والرسالة للشافعي رقم (٢٨٩، ٣٠٦) وغيرهما *.
(١) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٥٤ و١٦٢)، والطيالسي في مسنده (١/ ٣٨٥) رقم (٤٨١). من طريق الأعمش عن منذر الثوري ثنا أشياخ من التيم قالوا: قال أبو ذر: لقد تركنا … فذكره. ورجاله ثقات، غير الأشياخ من التيم، فهم مبهمون. وهل ينجبر ذلك لكثرة عددهم؟، فيه بحث. وروي متصلًا، فطر عن منذر عن أبي الطفيل عن أبي ذر فذكره. أخرجه أحمد (٥/ ١٦٢) وهو خطأ، صوابه ما تقدم.
(٢) في (ظ، ت) (حاله)، وفي (ج) (ب).
وأصح القولين في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ١٠٧﴾[الأنبياء: ١٠٧]، أنه على عمومه، وفيه على هذا التقدير وجهان:
أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته ﷺ، أما أتباعه فنالوا بها١ كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له، فالذين٢ عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادةٌ لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء، فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرًا بذلك العهد من المحاربين له.
وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيره٣؛ وأما الأُمَم النَّائية عنه فإن الله ﷾ رفع برسالته ﷺ العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النَّفع برسالته ﷺ.
الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمةً لهم، لكن لم يقبلوها، كما يقال: هذا دواء
(١) في (ظ، ت)، ونسخة (ظ) على حاشية (ب) (به).
(٢) سقط من (ظ، ب)، ووقع في (ت، ج) (فالمحاربون له عجل قتلهم).