وأرحم الخلق وأرأفهم بهم، وأعظم الخلق نفعًا لهم٢ في دينهم ودنياهم، وأفصح خلق الله، وأحسنهم تعبيرًا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة علي المراد، وأصبرهم في مواطن الصَّبر، وأصدقهم في مواطن اللِّقاء، وأوفاهم بالعهد والذِّمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشَدُّهم تواضعًا، وأعظمهم إيثارًا على نفسه، وأشد الخلق ذبًّا عن أصحابه وحمايةً لهم ودفاعًا عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، وأوصل٣ الخلق لرحمه، فهو أحق بقول القائل:
بَرْدٌ على الأدْنَى ومرْحَمةٌوعَلَى الأعادِي مازنٌ٤ جلد
٢١٣ - قال علي ﵁٥: "كان رسول الله ﷺ أجود
(١) في البخاري " .. ولن يقبضه الله حتى يُقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا".
(٢) سقط من (ب) فقط.
(٣) وقع في (ب) (وأفضل)، ووقع في (ت) (وأوصل الخلق برحمه).
(٤) في جميع النسخ (مازن)، ولعل الصواب (مارن) بالراء المهملة، وهو الصلب. انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٠٣)، والبيت لأبي الشيص الخزاعي في ديوانه باختلافٍ يسير في لفظه.
(٥) أخرجه الترمذي (٣٦٣٨) وفي الشمائل رقم (٧). قال الترمذي (حسن غريب، ليس إسناده بمتصل) فيه عمر بن عبد الله مولى غفرة، ضعيف، وإبراهيم بن محمد -من ولد علي- روايته عن علي مرسلة. انظر: التقريب (٤٩٣٤)، وجامع التحصيل للعلائي رقم (٩).
الناس صدرًا، وأصدق الناس١ لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفةً أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ".
فقوله: "كان أجود الناس صدرًا": أراد به بر الصدر وكثرة خيره، وأن الخير يتفجر منه تفجيرًا، وأنه منطو على كل خلق جميل وعلى كل خير، كما قال بعض أهل العلم: "ليس في الدنيا كلها محل كان أكثر خيرًا من صدر رسول الله ﷺ، قد جَمَعَ الخير بحذافيره، وأُوْدِعَ في صدره ﷺ".
وقوله: "أصدق الناس لهجة": هذا مما أقر له به أعداؤه المحاربون له، ولم يجرب عليه أحد من أعدائه كذبة واحدة قط٢، دع شهادة أوليائه كلهم له به؛ فقد حاربه أهل الأرض بأنواع المحاربات، مشركوهم وأهل الكتاب منهم، وليس أحد منهم يومًا من الدهر طعن فيه بكذبة واحدة صغيرة ولا كبيرة.
٢١٤ - قال المسور بن مخرمة٣: قلت لأبي جهل -وكان
(١) في (ح) (وأصدقهم لهجة).
(٢) من (ح) وسقطت من باقي النسخ.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ. لكن أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧) من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال حدثني الزهري قال حُدِّثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي بالليل في بيته .. فذكره بطوله -وفيه- قول أبي جهل للأخنس (تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف فأطعموا ..... الخ نحوه. =