جلاء الأفهام

خالي-: يا خال! هل كنتم تتهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول مقالته؟ فقال: والله يا ابن أختي لقد كان محمد وهو شاب يُدْعَى فِيْنا الأمين، فلمَّا وَخَطَهُ الشيب لم يكن ليكذب. قلت: يا خال! فلم لا تتبعونه؟ فقال: يا ابن أختي، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف؛ فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، فلما تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي، فمتى نأتيهم بهذه؟!. أو كما قال.

وقال تعالى: يسليه ويهون عليه قول أعدائه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ٣٣ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ٣٤﴾ [الأنعام: ٣٣ - ٣٤].

وقوله: "ألينهم عريكة": يعني أنه سهل لَيِّن، قريب من الناس، مجيب لدعوة من دعاه، قاض لحاجة من استقضاه، جابر لقلب من سأله، لا يحرمه ولا يرده خائبًا، إذا أراد أصحابه منه أمرًا وافقهم عليه وتابعهم فيه، وإن عزم على أمر لم يستبد دونهم، بل

  1. = وسنده ضعيف، لإرساله، وقد ورد أيضًا عند البيهقي في الدلائل (٢/ ٢٠٧) قول أبي جهل هذه المقوله للمغيرة بن شعبة قبل إسلامه بمعناه، وسنده منقطع.
    قلت: وسؤال المسور بن مخرمة لأبي جهل غريب، فإن يحيى بن بكير قال: "كان مولده بعد الهجرة بسنتين .. "، وورد عند مسلم أنه قال (وأنا محتلم) قال ابن حجر في الإصابة (٦/ ٩٩): "وهذا يدل على أنه ولد قبل الهجرة، ولكنهم أطبقوا على أنه ولد بعدها"، وقتل أبو جهل ببدر، وهذا يدل أن في الرواية التي ذكرها المؤلف وهم. والله أعلم.
200

يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم.

وقوله: "أكرمهم عشرة": يعني أنه ﷺ لم يكن يعاشر جليسًا له إلا أتم عشرة وأحسنها وأكرمها، فكان لا يعبسن في وجهه، ولا يغلظ له في مقاله، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة ونحوها، بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال، فكانت عشرته لهم١ احتمال أذاهم وجفوتهم جملة، لا يُعاتب٢ أحدًا منهم ولا يلومه٣ ولا يباديه٤ بما يكره٥. من خالطه يقول: أنا٦ أحب الناس إليه، لما يرى من لطفه به، وقربه منه، وإقباله عليه، واهتمامه بأمره، ونصيحته٧ له، وبذل إحسانه إليه، واحتمال جفوته، فأي عشرة كانت أو تكون أكرم من هذه العشرة.

٢١٥ - قال الحسين رضي٨ الله عنه: سألت أبي عن سيرة

  1. (١) في (ش، ب) بياض بعد (لهم).
  2. (٢) من (ج، ش، ب)، وفي (ظ)، (يعاند)، وفي (ت) غير منقوطة.
  3. (٣) في (ب) (ولا يلزمه) وهو خطأ.
  4. (٤) ووقع في (ش) (يناديه)، ووقع في (ب) (يبادره).
  5. (٥) في (ش، ب) بياض بعد قوله (يكره).
  6. (٦) من من (ظ، ت)، ووقع في (ب، ش، ج) (إنه).
  7. (٧) وقع في (ظ) (وتضحيته)، وفي (ت) غير منقوطة وسقط من (ج) (له).
  8. (٨) أخرجه الترمذي في الشمائل (٣٥٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٥٨) رقم (٤١٤) وغيرهما. وسنده ضعيف جدًا، فيه جُمَيْع بن عُمَيْر، قال أبو داوود: "أخشى أن يكون كذابًا". وأبو عبد الله التميمي: مجهول، والراوي عن =
201

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي