يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم.
وقوله: "أكرمهم عشرة": يعني أنه ﷺ لم يكن يعاشر جليسًا له إلا أتم عشرة وأحسنها وأكرمها، فكان لا يعبسن في وجهه، ولا يغلظ له في مقاله، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة ونحوها، بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال، فكانت عشرته لهم١ احتمال أذاهم وجفوتهم جملة، لا يُعاتب٢ أحدًا منهم ولا يلومه٣ ولا يباديه٤ بما يكره٥. من خالطه يقول: أنا٦ أحب الناس إليه، لما يرى من لطفه به، وقربه منه، وإقباله عليه، واهتمامه بأمره، ونصيحته٧ له، وبذل إحسانه إليه، واحتمال جفوته، فأي عشرة كانت أو تكون أكرم من هذه العشرة.
٢١٥ - قال الحسين رضي٨ الله عنه: سألت أبي عن سيرة
(١) في (ش، ب) بياض بعد (لهم).
(٢) من (ج، ش، ب)، وفي (ظ)، (يعاند)، وفي (ت) غير منقوطة.
(٣) في (ب) (ولا يلزمه) وهو خطأ.
(٤) ووقع في (ش) (يناديه)، ووقع في (ب) (يبادره).
(٥) في (ش، ب) بياض بعد قوله (يكره).
(٦) من من (ظ، ت)، ووقع في (ب، ش، ج) (إنه).
(٧) وقع في (ظ) (وتضحيته)، وفي (ت) غير منقوطة وسقط من (ج) (له).
(٨) أخرجه الترمذي في الشمائل (٣٥٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٥٨) رقم (٤١٤) وغيرهما. وسنده ضعيف جدًا، فيه جُمَيْع بن عُمَيْر، قال أبو داوود: "أخشى أن يكون كذابًا". وأبو عبد الله التميمي: مجهول، والراوي عن =
النبي ﷺ في جلسائه فقال: "كان النبي ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح١، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه٢، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وترك ما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث٣: كان لا يذم أحدًا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ٤، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه، ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحدٍ حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام".
وقوله: "من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه": وصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدق والإخلاص: وهما الإجلال والمحبة، فكان قد ألقى عليه هيبة منه ومحبة، فكان كل
= الحسن بن علي لا يُعرف. انظر: تهذيب الكمال (٥/ ١٢٤ - ١٢٦).