جلاء الأفهام

النبي ﷺ في جلسائه فقال: "كان النبي ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح١، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه٢، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وترك ما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث٣: كان لا يذم أحدًا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ٤، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه، ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحدٍ حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام".

وقوله: "من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه": وصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدق والإخلاص: وهما الإجلال والمحبة، فكان قد ألقى عليه هيبة منه ومحبة، فكان كل

  1. = الحسن بن علي لا يُعرف. انظر: تهذيب الكمال (٥/ ١٢٤ - ١٢٦).
  2. (١) في الشمائل (ولا مشاع).
  3. (٢) من (ح) فقط.
  4. (٣) من (ح) فقط من قوله (المراء) إلى (من ثلاث).
  5. (٤) في (ب) (حتى يفرغوا) وهو خطأ.
202

من يراه يهابه ويجله، ويملأ قلبه تعظيمًا وإجلالًا وإن كان عدوًا له، فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق، فهو المُجَلُّ المُعَظَّم المحبوب المكرم، وهذا كمال المحبة، أنْ تُقْرَنَ بالتعظيم والهيبة، فالمحبة بلا تعظيم ولا هيبة ناقصة، والهيبة والتعظيم من غير محبة١ - كما تكون للقادر الظالم - نقص أيضًا، والكمال: أن تجتمع المحبة والوِدّ والتعظيم والإجلال، وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب صفات الكمال التي يستحق أن يُعَظَّم لأجلها ويُحَبُّ لأجلها.

ولما كان الله ﷾ أحق بهذا من كل أحد كان المستحق لأن٢ يعظم ويكبر ويهاب، ويحب ويُوَدَّ بكل جزء من أجزاء القلب، ولا يجعل له شريك في ذلك، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله سبحانه: أن يسوي بينه وبين غيره في هذا الحب والتعظيم٣، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] فأخبر أن من أحبَّ شيئًا غير الله مثل حُبِّه لله كان قد اتَّخذه ندًّا. وقال أهل النار في النار لمعبودهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، ولم تكن تَسْويتهم لهم بالله في كونهم خَلَقُوا السماوات والأرض، أو خَلَقوْهم، أو٤ خلقوا آباءهم،

  1. (١) وقع في (ح) (محبة ناقصة): ولعلها مُقحمة من الناشر.
  2. (٢) في (ظ) (بأن).
  3. (٣) سقط من (ظ) فقط.
  4. (٤) من (ت، ح) وفي باقي النسخ (وخلقوا آباءهم).
203

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي