من يراه يهابه ويجله، ويملأ قلبه تعظيمًا وإجلالًا وإن كان عدوًا له، فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق، فهو المُجَلُّ المُعَظَّم المحبوب المكرم، وهذا كمال المحبة، أنْ تُقْرَنَ بالتعظيم والهيبة، فالمحبة بلا تعظيم ولا هيبة ناقصة، والهيبة والتعظيم من غير محبة١ - كما تكون للقادر الظالم - نقص أيضًا، والكمال: أن تجتمع المحبة والوِدّ والتعظيم والإجلال، وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب صفات الكمال التي يستحق أن يُعَظَّم لأجلها ويُحَبُّ لأجلها.
ولما كان الله ﷾ أحق بهذا من كل أحد كان المستحق لأن٢ يعظم ويكبر ويهاب، ويحب ويُوَدَّ بكل جزء من أجزاء القلب، ولا يجعل له شريك في ذلك، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله سبحانه: أن يسوي بينه وبين غيره في هذا الحب والتعظيم٣، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾[البقرة: ١٦٥] فأخبر أن من أحبَّ شيئًا غير الله مثل حُبِّه لله كان قد اتَّخذه ندًّا. وقال أهل النار في النار لمعبودهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، ولم تكن تَسْويتهم لهم بالله في كونهم خَلَقُوا السماوات والأرض، أو خَلَقوْهم، أو٤ خلقوا آباءهم،
(١) وقع في (ح) (محبة ناقصة): ولعلها مُقحمة من الناشر.
(٢) في (ظ) (بأن).
(٣) سقط من (ظ) فقط.
(٤) من (ت، ح) وفي باقي النسخ (وخلقوا آباءهم).
وإنما سوُّوهم بربِّ العالمين ﷾ في الحُبِّ لهم كما يحب الله تعالى، فإن حقيقة العبادة هي الحبُّ والذلُّ، وهذا هو الإجلال والإكرام الذي وَصَفَ به نفسه سبحانه في قوله ﷾: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٧٨﴾[الرحمن: ٧٨].
وأصحُّ القولين في ذلك: أن الجلال هو التَّعظيم، والإكرام هو الحب، وهو سِرُّ قول العبد: "لا إله إلا الله، والله أكبر"، ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد١: من حديث أنس ﵁.
٢١٦ - عن النبي ﷺ أنه قال: "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" أي: الزموها والهجوا بها.
٢١٧ - وفي "مسند أبي يعلى الموصلي"٢: عن بعض الصحابة؛ أنه طلب أن يعرف اسم الله الأعظم، فرأى في منامه في السماء مكتوبًا في النجوم: يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام".
(١) عزاه له الضياء في المختارة (٦/ ٨١)، ولم أقف عليه في المسند، ولا في أطرافه، ولا إتحاف المهرة لابن حجر، فلعله في بعض النسخ. وأما حديث أنس فهو عند الترمذي (٣٥٢٤ و٣٥٢٥) وأبي يعلى (٦/ ٤٤٥) وغيرهما، وقد أعلَّه أبو حاتم والترمذي بالإرسال. وهو ثابت من حديث ربيعة بن عامر عند أحمد في المسند (٤/ ١٧٧) وغيره. والحديث صححه الحاكم وغيره.
(٢) * (١٣/ ١٦٥) رقم (٧٢٠٦) *. وهو أثر مقطوع؛ لأن الرجل الذي من طيء ليس من الصحابة، بل غاية أمره أن يكون تابعيًّا؛ لأن أعلى طبقة يروي عنها السَّري هي من التابعين. انظر: تهذيب الكمال (١٠/ ٢٣٢ - ٢٣٣).