وأما ما تمسَّكتم به من التَّعْدية بالهمزة، فليس كما ذكرتم، والهمزة هنا ليست للتعدية، وإنما هي للدلالة على معنى التعجب والتفضيل، كألف فاعل، وميم مفعول، وَوَائه١، وتاء الافتعال والمطاوعة، ونحوها من الحروف التي تلحق الفعل الثلاثي، لبيان ما لحقه من الزيادة على مجرد مدلوله، فهذا هو السبب الجالب لهذه الألف، لا مجرد تعدية الفعل.
قالوا: والذي يدل على هذا أن الفعل الذي يُعَدَّى٢ بالهمزة يجوز أن يُعدَّى٣ بحرف الجر وبالتَّضْعِيْف، تقول: أجلست زيدًا وجلَّستُه، وجلست به، وأقمته وقَوَّمته٤ وقمت به، وأنمته ونَوَّمْتُه، ونمت به٥، وأثَّمْتُه وآثَمْته٦، ونظائر ذلك، وهنا لا يقوم مقام الهمزة غيرها، فبطل أن تكون للتعدية.
الثاني: أنها تجامع باء التعدية، فتقول: أحْسِنْ به وأَكْرِمْ به، والمعنى ما أكرمه وما أحسنه، والفعل لا يُجْمعُ٧ عليه بين مُعَدَّيَيْنِ معًا.
(١) من (ش، ب) فقط.
(٢) وقع في (ش) (تعدَّى)، ووقع في (ت) (أن الفعل المعدَّى بالهمزة).
(٣) وقع في (ش، ب) (يتعدى).
(٤) سقط من (ب، ت، ج) وفي (ظ) (وقمته).
(٥) سقط من (ظ، ت، ب، ج) (ونمت به).
(٦) سقط من (ح) قوله (وأثمته وأثمته).
(٧) من (ب، ج)، وفي (ش، ت، ظ) غير منقوطة.
الثالث: أنهم يقولون: ما أعطى زيدًا للدراهم، وما أكساه للثياب، وهذا من أعطى وكسا المتعدي، ولا يصح تقدير نقله إلى عَطَوَ: إذا تناول، ثم أُدْخِلَت عليه همزة التعدية، كما تأوله بعضهم لفساد المعنى، فإن التعجب إنما وقع من إعطائه، لا من عَطْوه وهو تناوله، والهمزة فيه همزة التعجب والتفضيل، وحذفت همزته التي في فعله، فلا يصح أن يقال: هي للتعدية.
قالوا: وأما قولكم: إنه عُدِّيَ باللام في قولهم: ما أضربه لزيد، ولولا أنه لازم لما١ عدي باللام، فهذا ليس لِمَا٢ ذكرتم من لزوم الفعل، وإنما هو تقْوِية له لما ضعف بمنعه من التصرُّف٣، وألزم طريقة واحدة خرج عن سنن الأفعال، وضعف عن مقتضاه، فقُوِّيَ باللام، وهذا كما يُقَوَّى باللَّام إذا تقدم معموله عليه، وحصل له بتأخره نوعُ وَهْنٍ جبروه باللَّام، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ٤٣﴾[يوسف: ٤٣]، وكما يُقوّى باللام إذا كان اسم فاعل، كما تقول: أنا محب لك، ومُكْرم لزيد ونحوه، فلما ضعف هذا الفعل بمنعه من التصرُّف٤ قُوِّيَ باللام، وهذا المذهب هو الراجح٥ كما تراه، والله أعلم.
(١) سقط من (ب) (لَمَا)، وسقط من (ت) (في قولهم: ما اضربه لزيد، ولولا أنه لازم لما عُدي باللام).