الثالث: أنهم يقولون: ما أعطى زيدًا للدراهم، وما أكساه للثياب، وهذا من أعطى وكسا المتعدي، ولا يصح تقدير نقله إلى عَطَوَ: إذا تناول، ثم أُدْخِلَت عليه همزة التعدية، كما تأوله بعضهم لفساد المعنى، فإن التعجب إنما وقع من إعطائه، لا من عَطْوه وهو تناوله، والهمزة فيه همزة التعجب والتفضيل، وحذفت همزته التي في فعله، فلا يصح أن يقال: هي للتعدية.
قالوا: وأما قولكم: إنه عُدِّيَ باللام في قولهم: ما أضربه لزيد، ولولا أنه لازم لما١ عدي باللام، فهذا ليس لِمَا٢ ذكرتم من لزوم الفعل، وإنما هو تقْوِية له لما ضعف بمنعه من التصرُّف٣، وألزم طريقة واحدة خرج عن سنن الأفعال، وضعف عن مقتضاه، فقُوِّيَ باللام، وهذا كما يُقَوَّى باللَّام إذا تقدم معموله عليه، وحصل له بتأخره نوعُ وَهْنٍ جبروه باللَّام، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ٤٣﴾[يوسف: ٤٣]، وكما يُقوّى باللام إذا كان اسم فاعل، كما تقول: أنا محب لك، ومُكْرم لزيد ونحوه، فلما ضعف هذا الفعل بمنعه من التصرُّف٤ قُوِّيَ باللام، وهذا المذهب هو الراجح٥ كما تراه، والله أعلم.
(١) سقط من (ب) (لَمَا)، وسقط من (ت) (في قولهم: ما اضربه لزيد، ولولا أنه لازم لما عُدي باللام).
(٢) من (ب، ش)، وفي باقي النسخ (كما).
(٣) من (ب، ش)، وفي باقي النسخ (الصرف) وهو خطأ.
(٤) من (ب، ش) كما سبق، وسقط من (ج) (بمنعه).
(٥) وقع في (ب) (راجح).
فلنرجع إلى المقصود، وهو أنه ﷺ سُمِّيَ "محمدًا" و"أحمد" لأنه يحمد أكثر مما يحمد غيره، وأفضل مما يحمد غيره، فالاسمان واقعان على المفعول، وهذا هو المختار، وذلك أبلغ في مدحه وأتم معنى، ولو أريد به معنى الفاعل لسُمّي الحَمَّاد، وهو كثير الحمد، كما سُمي "محمدًا" وهو المحمود كثيرًا، فإنه ﷺ كان أكثر الخلق حَمْدًا لربه ﷿، فلو كان اسمه باعتبار الفاعل لكان الأولى أن يسمى "حمادًا" كما أن اسم أمته الحَمَّادون. وأيضًا فإن الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصائله١ المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى "محمدًا" و"أحمد"، فهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، ويحمده أهل السماء والأرض، فلكثرة خصائله المحمودة التي تَفُوتُ عدّ العادّين سمي باسمين من أسماء الحمد يقتضيان التفضيل والزيادة في القَدْر والصِّفَة. والله أعلم.
فصل
وقد ظن طائفة، منهم أبو القاسم السهيلي٢ وغيره؛ أن تسميته ﷺ بـ "أحمد" كانت قبل تسميته بمحمد، فقالوا: ولهذا بشر به ﷺ المسيحُ باسمه٣ أحمد.
(١) وقع في (ب) (وخصاله).
(٢) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ السهيلي أبو زيد ولد سنة ٥٠٨ هـ، وكان محدثًا أديبًا نحويًا علامة، له الروض الأنف والأمالي وغيرهما توفى سنة ٥٨١. انظر: بغية الملتمس للضبي رقم (١٠٢٥)، وانظر كلام السهيلي في الروض الأُنُف (١/ ٢٨١).