فلنرجع إلى المقصود، وهو أنه ﷺ سُمِّيَ "محمدًا" و"أحمد" لأنه يحمد أكثر مما يحمد غيره، وأفضل مما يحمد غيره، فالاسمان واقعان على المفعول، وهذا هو المختار، وذلك أبلغ في مدحه وأتم معنى، ولو أريد به معنى الفاعل لسُمّي الحَمَّاد، وهو كثير الحمد، كما سُمي "محمدًا" وهو المحمود كثيرًا، فإنه ﷺ كان أكثر الخلق حَمْدًا لربه ﷿، فلو كان اسمه باعتبار الفاعل لكان الأولى أن يسمى "حمادًا" كما أن اسم أمته الحَمَّادون. وأيضًا فإن الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصائله١ المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى "محمدًا" و"أحمد"، فهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، ويحمده أهل السماء والأرض، فلكثرة خصائله المحمودة التي تَفُوتُ عدّ العادّين سمي باسمين من أسماء الحمد يقتضيان التفضيل والزيادة في القَدْر والصِّفَة. والله أعلم.
فصل
وقد ظن طائفة، منهم أبو القاسم السهيلي٢ وغيره؛ أن تسميته ﷺ بـ "أحمد" كانت قبل تسميته بمحمد، فقالوا: ولهذا بشر به ﷺ المسيحُ باسمه٣ أحمد.
(١) وقع في (ب) (وخصاله).
(٢) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ السهيلي أبو زيد ولد سنة ٥٠٨ هـ، وكان محدثًا أديبًا نحويًا علامة، له الروض الأنف والأمالي وغيرهما توفى سنة ٥٨١. انظر: بغية الملتمس للضبي رقم (١٠٢٥)، وانظر كلام السهيلي في الروض الأُنُف (١/ ٢٨١).
(٣) من (ظ، ت، ج) وفي (ش) (باسم)، وسقط من (ب).
٢٢١ - وفي حديث طويل١ في حديث موسى لما قال لربه: "يا رب إني أجد أمة من شأنها كذا وكذا، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد يا موسى، فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد"، قالوا: وإنما جاء تسميته ﷺ بمحمد في القرآن خاصة، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾[محمد: ٢]، وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾[الفتح: ٢٩]، وبنوا على ذلك أن اسمه "أحمد" تفضيل من فعل الفاعل، أي أحمد الحامدين٢ لربه، و"محمد" هو المحمود الذي تحمده الخلائق، وإنما تُرِتِّبَ٣ على٤ هذا الاسم بعد وجوده وظهوره٥، فإنه حينئذ حمده أهل السماء والأرض، ويوم القيامة يحمده أهل الموقف، فلما ظهر إلى الوجود وترتَّب على ظهوره من الخيرات ما ترتَّب، حمده٦ حينئذ الخلائق حمدًا مكررًا، فتأخرت تسميته بمحمد، على٧ تسميته بأحمد.
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٧٥) من حديث أنس بن مالك مرفوعًا. وسنده ضعيف جدًا. قال أبو نعيم: غريب من حديث الزهري … والجبابري في حديثه لين ونكارة. وورد موقوفًا من قول ابن عباس، أخرجه ابن المنادي في متشابه القرآن ص ٢٢ كما في جلاء الأفهام (ط) مشهور ص ٣٠٥.