أرادوا يقولون: "لا تأكل الجدي في حليب أمه"، قالوا: لو١٠ توخل لذي ما حالوب أمو.
ويقولون: لو توخلو٢، أي لا تأكلوا. ويقولون للكتب: "المشنا"٣ ومعناها بلغة العرب "المثناة" التي تثنى، أي: تقرأ مرة بعد مرة، ولا نطيل بأكثر من هذا في تقارب اللغتين، وتحت هذا سِرُّ يفهمه من فهم تقارب ما بين الاُمَّتين والشَّرِيعتين.
واقتران التوراة بالقرآن في غير موضع من الكتاب، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ٤٨ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٤٩﴾[القصص: ٤٨ - ٤٩]، وقوله في سورة٤ الأنعام ردًا على من قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ الآية، ثم قال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾[الأنعام: ٩١ - ٩٢]، وقال في آخر السورة: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ١٥٤ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٥٥﴾[الأنعام: ١٥٤ - ١٥٥]، وقال في أول سورة آل عمران:
(١) من (ت)، وقع في (ش) (لو توخل لذا حالوب أمو) ووقع في (ب) (لو توكل حالوب امو)، وفي باقي النسخ مثله لكن فيها (لذي) مكان (كذي).
(٢) وقع في (ش، ت) (توخيلو)، وفي (ظ، ج، ح) (توكلوا).
٢٢٣ - ولهذا قال النبي ﷺ: "إنه كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل، حتى لو كان فيهم مَنْ أتى أُمَّهُ علانية لكان في هذه الأمة من يفعله"٣.
فتأمل هذا التناسب بين الرسولين والكتابين والشريعتين؛ أعني الشريعة الصحيحة التي لم تُبدَّل، والأمتين واللغتين، فإذا
(١) في (ح) (يذكر).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٦١) الخُمْس (٢/ ١١٤٨) (٢٩٨١)، ومسلم في صحيحه في (١٢) الزكاة رقم (١٠٦٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٦٤١) وقال: "هذا حديث غريب مفسَّر لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه". قلت: والحديث منكر، لتفرد الإفريقي -عبد الرحمن بن زياد بن أنعم- به وهو ضعيف، قال ابن عدي: عامة حديثه، وما يرويه لا يتابع عليه. انظر: تهذيب الكمال (١٧/ ١٠٢ - ١١٠).