نظرت في حروف "محمد" وحروف "ماذ ماذ١ " وجدت الكلمتين كلمة واحدة، فإن الميمين فيهما والهمزة والحاء من مخرج واحد، والدال كثيرًا ما تجد موضعها ذالًا في لغتهم: يقولون: "إيحاذ"٢ للواحد، ويقولون: "قوذش" في القدس. والدال والذال متقاربتان، فمن تأمل اللغتين وتأمل هذين الاسمين لم يشك أنهما واحد. ولهذا نظائر في اللغتين مثل "موسى" فإنه في اللغة العبرانية "موشى" بالشين، وأصله الماء والشجر، فإنهم يقولون للماء: "مو" و"شا" هو الشجر، وموسى التقطه آل فرعون من بين الماء والشجر، فالتفاوت الذي بين موسى وموشى كالتفاوت بين "محمد" و"ماذ ماذ٣ ".
وكذلك إسماعيل هو في لغتهم "يشماعيل"٤ بالألف بين الياء والألف، وبشين بدل السين، فالتفاوت بينهما كالتفاوت بين "محمد" و"ماذ ماذ٥ " وكذلك العيص وهو أخو يعقوب يقولون له: عيسى، وهو عيص. ونظير هذا في غير الأعلام مما تقدم قوله: (يشماعون) يعنون: يسمعون، ويقولون: (آقيم) بمد الهمزة مع ضمها، أي: أقيم، ويقولون٦: لاهيم، أي: لهم،
(١) وقع في (ظ، ج، ح) (مماد باد).
(٢) من (ش، ح)، وفي باقي النسخ (إيحاد) بالدال المهملة.
(٣) من (ش، ت) ووقع في (ب) (ماد ماد) في ظ (ماذ ماد).
(٤) وقع في (ب، ت، ش) (تشماعيل).
(٥) في (ب، ش) (ماد ماد).
(٦) ليس في (ظ) قوله (ويقولون: لاهيم، أي: لهم).
ويقولون: مي قارب، أي١: مَنْ قارب، ووسط أحيهيم٢، أي: إخوتهم. وهذا مما يعترف به كل مؤمن عالم من علماء أهل الكتاب.
والمقصود أنَّ اسم النَّبيِّ ﷺ في التَّوراة (مُحمَّد) كما هو في القرآن، وأما المسيح ﵊ فإنما سماه (أحمد) كما حكاه الله عنه في القرآن، فإذن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمدًا في التوراة، ومتقدمة على تسميته محمدًا في القرآن، فوقعت بين التسميتين محفوفة بهما، وقد تقدم أن هذين الاسمين صفتان في الحقيقة، والوصْفيَّة فيهما لا تنافي العَلَمِيَّة، وأن معناهما مقصود، فعُرفَ عند كل أمة بأعرف الوصفين عندها، فمحمد مُفَعَّل من الحَمْد، وهو الكثير الخصال التي يُحْمَدُ عليها حَمْدًا متكررًا، حَمْدًا بعد حَمْدٍ، وهذا إنما يعرف بعد العلم بخصال الخير وأنواع العلوم والمعارف والأخلاق والأوصاف والأفعال التي يستحق تكرار الحمد عليها٣، ولا ريب أن بني إسرائيل هم أولو العلم الأول، والكتاب٤ الذي قال الله فيه: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾[الأعراف: ١٤٥]، ولهذا كانت أمة موسى
(١) ليس في (ب، ش) قوله (أيّ)، وفي العبارة شيء، ويستقيم هكذا "مي قارب، أي: مِن وسط".
(٢) في (ت) (احيهم)، وفي (ب) (أحييم)، وفي (ح) (آخيهم). وفي (ظ، ش) (أخيهيم)، والصواب ما أثبته.