ويقولون: مي قارب، أي١: مَنْ قارب، ووسط أحيهيم٢، أي: إخوتهم. وهذا مما يعترف به كل مؤمن عالم من علماء أهل الكتاب.
والمقصود أنَّ اسم النَّبيِّ ﷺ في التَّوراة (مُحمَّد) كما هو في القرآن، وأما المسيح ﵊ فإنما سماه (أحمد) كما حكاه الله عنه في القرآن، فإذن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمدًا في التوراة، ومتقدمة على تسميته محمدًا في القرآن، فوقعت بين التسميتين محفوفة بهما، وقد تقدم أن هذين الاسمين صفتان في الحقيقة، والوصْفيَّة فيهما لا تنافي العَلَمِيَّة، وأن معناهما مقصود، فعُرفَ عند كل أمة بأعرف الوصفين عندها، فمحمد مُفَعَّل من الحَمْد، وهو الكثير الخصال التي يُحْمَدُ عليها حَمْدًا متكررًا، حَمْدًا بعد حَمْدٍ، وهذا إنما يعرف بعد العلم بخصال الخير وأنواع العلوم والمعارف والأخلاق والأوصاف والأفعال التي يستحق تكرار الحمد عليها٣، ولا ريب أن بني إسرائيل هم أولو العلم الأول، والكتاب٤ الذي قال الله فيه: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾[الأعراف: ١٤٥]، ولهذا كانت أمة موسى
(١) ليس في (ب، ش) قوله (أيّ)، وفي العبارة شيء، ويستقيم هكذا "مي قارب، أي: مِن وسط".
(٢) في (ت) (احيهم)، وفي (ب) (أحييم)، وفي (ح) (آخيهم). وفي (ظ، ش) (أخيهيم)، والصواب ما أثبته.
(٣) سقط من (ب) قوله (عليها).
(٤) وقع في (ب) (في الكتاب).
أوسع علومًا ومعرفة من أمة المسيح، ولهذا لا تتمُّ شريعة المسيح إلا بالتوراة وأحكامها، فإن المسيح ﵇ وأمّته مُحَالُونَ١ في الأحكام٢ عليها، والإنجيل كأنَّه مُكمِّل لها متمم لمحاسنها، والقرآن جامع لمحاسن الكتابين.
فعُرف النبي ﷺ عند هذه الأمة باسم "محمد" الذي قد جمع خصال الخير، التي يستحق أن يحمد عليها حمدًا بعد حمد، وعُرف عند أمة المسيح بـ "أحمد" ﷺ الذي يستحق أن يحمد أفضل مما يحمد غيره، وحمده أفضل من حمد غيره، فإن أمة المسيح ﵊ أمة لهم من الرياضات والأخلاق والعبادات ما ليس لأمة موسى، ولهذا كان غالب كتابهم مواعظ وزُهْد وأخلاق وحضّ٣ على الإحسان والاحتمال والصفح، حتى قيل: إنَّ الشرائع الثلاثة: شريعة عدل، وهي شريعة التوراة، فيها الحُكْم والقِصَاص، وشريعة فَضْل، وهي شريعة الإنجيل، مشتملة على العفو ومكارم الأخلاق والصفح والإحسان؛ كقوله: "من أخذ رداءك فأعطه ثوبك، ومن لطمك على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر، ومن سخرك ميلًا فامش معه ميلين"٤ ونحو ذلك. وشريعة نبينا٥ جمعت هذا وهذا، وهي شريعة القرآن، فإنه يذكر العدل