بل هم أحق من دخل فيه، وهذا كنظائره من عطف الخاصِّ على العامّ، وعكسه، تنبيهًا على شرفه، وتخصيصًا له بالذِّكْر من بَيْن النّوع، لأنه من أحق أفراد النوع بالدخول فيه.
وهُنَا للناس طريقان:
أحدهما: أنَّ ذكر الخاص قبل العام، أو بعده قرينة تدلُّ على أنَّ المراد بالعام ما عداه.
والطريق الثاني: أن الخاص ذكر مرتين، مرة بخصوصه، ومرة بشمول الاسم العام له، تنبيهًا على مزيد شرفه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾[الأحزاب: ٧]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ٩٨﴾[البقرة: ٩٨].
وأيضًا فإن الصّلاةَ على النبي ﷺ حقٌ له ولآله دون سائر الأُمَّة، ولهذا تَجِبُ عليه وعلى آله عند الشافعي ﵀ وغيره كما سيأتي، وإن كان عندهم في الآل اختلاف. ومَنْ لم يُوجبْها فلا رَيْبَ أنه يستحبُّها عليه وعلى آله، ويكرهها أو لا يستحبها لسائر المؤمنين، أو لا يجوزها على غير النبي ﷺ وآله. فمن قال: إن آله في الصَّلاة هم كلُّ الأُمَّة، فقد أبْعَد غايةَ الإِبْعاد.
وأيضًا فإن النبي ﷺ شَرَعَ في التَّشَهُّد السَّلام والصَّلاة، فشرع
في١ السَّلام تَسْليم المصلِّي على الرسول ﷺ أوَّلًا، وعلى نفسه ثانيًا، وعلى سائر عباد الله الصالحين ثلاثًا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:
٢٥٤ - "فإذا قلتم ذلك فقد سَلَّمْتُم علَى كُلِّ عَبْدٍ للهِ صَالِح في السَّماءِ والأرْض"٢.
وأما الصلاة فلم يشرعها إلا عليه، وعلى آله فقط، فدل على أن آله هم أهله وأقاربه.
وأيضًا فإن الله سبحانه أمرنا٣ بالصلاة عليه بعد ذكر حقوقه وما خَصَّه به دون أُمَّته مِن حلِّ نكاحه لمن تَهبُ نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأَمة بَعْده، ومن سائر ما ذكر مع ذلك من حقوقه وتَعْظيمه وتَوْقيره وتبْجيله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ٥٣﴾[الأحزاب: ٥٣]، ثم ذكر رفع الجُنَاح عن أزواجه في تَكْلِيمهِنَّ٤ آباءهنَّ وأبناءهنَّ ودخولهم عليهنَّ، وخلوتهم بِهِنَّ، ثم عَقَّبَ ذلك
(١) سقط من (ش).
(٢) أخرجه البخاري في (٢٧) العمل في الصلاة (١١٤٤)، ومسلم في (٤) الصلاة (٤٠٢) من حديث ابن مسعود ﵁.