بالحبشة١، وأتَمَّ اللهُ لها الإسلام، وتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحَبَشة، وأصْدقها عنه النَّجَاشِي أربعمائة دينار، وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضَّمْري فيها إلى أرض الحبشة، وَوَلِيَ نكاحها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص.
٢٧٠ - وقد روى مسلم في "صحيحه"٢ من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، قال: وكان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي ﷺ: ثلاث خلال أَعْطِنِيْهنَّ. قال: "نعم". قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. قال: "نعم"، قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك. قال: "نعم"، قال: وتؤمرني أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: "نعم". قال أبو زميل: "ولولا أنه طلب ذلك من النبي ﷺ ما أعطاه ذلك، لأنه لم يكن يسأل شيئًا إلا قال: نعم".
وقد أشْكل هذا الحديث على الناس٣: فإن أم حبيبة تزوجها
(١) * في ثبوت خبر تنصّره بالحبشة نظر *.
(٢) أخرجه مسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٥٠١).
(٣) ذكر هذا الإشكال جماعة: منهم الحميدي نقله عن بعض الحفاظ وقال: وفي هذا نظر. انظر: جامع الأصول لابن الأثير (٩/ ١٠٦) رقم (٦٦٥٥). والنووي في شرح مسلم (١٦/ ٩١ - ٩٢)، وابن كثير والذهبي. انظر السير (٧/ ١٣٧) والبداية والنهاية (٤/ ١٤٦)، والصالحي في سبل الهدى والرشاد (١١/ ١٩٣) وغيرهم.
رسول الله ﷺ قبل إسلام أبي سفيان كما تقدم، زوجها إياه النجاشي، ثم قدمت على رسول الله ﷺ قبل أن يسلم أبوها، فكيف يقول بعد الفَتْح: أزوِّجك أم حبيبة؟
فقالت طائفة: هذا الحديث كَذب لا أصل له. قال ابن حزم: كَذَبَه عكرمة بن عمار، وحمل عليه١.
واستعظم ذلك آخرون٢، وقالوا: أنَّى يكون في صحيح مسلم حديث موضوع، وإنما وجه الحديث أنه طلب من النبي ﷺ أن يُجدِّد له العقد على ابنته ليبقى له بذلك٣ وَجْهٌ بين المسلمين. وهذا ضعيف، فإن في الحديث أن النبي ﷺ وعَدَه، وهو الصادق الوعد ﷺ، ولم ينقل أحد قط أنه جَدَّد العقد على أم حبيبة، ومثل هذا لو كان لنقل، ولو نَقْلُ واحدٍ عن واحدٍ، فحيث لم ينقله أحد قطّ عُلِمَ أنه لم يقع. ولم يزد القاضي عياض على استشكاله، فقال: "والذي وقع في "مسلم" من هذا غريب جدًا عند أهل الخَبَر، وخَبرُها مع أبي سفيان عند ورُودِه المدينة بسبب تَجْدِيد الصلح ودخوله عليها مشهور"٤.
وقالت طائفة٥: ليس الحديث بباطل، وإنما سأل أبو سفيان
(١) انظر: نوادر ابن حزم ص ٧.
(٢) منهم ابن الصلاح، نقله عنه النووي في شرح مسلم (١٦/ ٩٢).