أحدها: أنها من ذرأ الله الخلق، أي: نشرهم وأظهرهم، إلا أنهم تركوا همزها استثقالًا، فأصلها: ذُرِّيئة بالهمز، فُعِّيلة١ من الذرء، وهذا اختيار صاحب الصحاح٢ وغيره.
والثاني: أن أصلها من الذَّرِّ٣ وهو النمل الصغار، وكان قياس هذه النسبة "ذَرية" بفتح الذال وبالياء، لكنهم ضموا أوله وهمزوا آخره٤. وهذا من باب تغيير النسب.
وهذا القول ضعيف من وجوه:
منها: مخالفة باب٥ النسب، ومنها إبدال الراء ياء، وهو غير مَقِيْس.
ومنها: أن لا اشتراك بين الذرية والذر إلا في الذال والراء،
(١) وقع في (ب، ت، ش) (فُعْلِيَّة) وهو خطأ، وفي (ح) تحريف.
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (١/ ٩٣) مادة (ذرأ)، ولسان العرب (١/ ٨٠)، وتاج العروس (١/ ١٥٦).
(٣) في وزنها أربعة أوجه: فُعْليَّة = ذُرية، فُعِّيْلة = ذُرِّيْرة، فُعُّولة = ذُرُّورة، فُعْلولة ذرُّوة.
(٤) قوله (وهمزوا آخره) لا معنى له في هذا السياق، ولهذا لم يذكره في الرد على هذا الوجه. وكذلك قوله (مخالفة باب النسب) لا يوجد مخالفة، وإنما يوجد قلب الراء ياءً كما في الوجهين الأخيرين. وقوله (ومنها إبدال الراء ياء وهو غير مقيس) يصدق على الأوجه الأخرى التي لم يذكرها المؤلف. وقوله (إن الذر من المضاعف ..) لا يستقيم إلا إذا قطع بأن الذرية لست من الذر وعلى كلٍّ كلام المؤلف يحتاج إلى تحرير أدق.
(٥) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (ياء).
وأما في المعنى فليس مفهوم أحدهما مفهوم الآخر.
ومنها: أن الذر من المضاعف، والذرية من المعتل أو المهموز، فأحدهما غير الآخر.
والقول الثالث: أنها من ذرا يذرو١: إذا فرَّق، من قوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾[الكهف: ٤٥]، وأصلها على هذا "ذُرِّيوَة" فعلية من الذرو، ثم قلبت الواو ياءً لسبق إحداهما بالسكون.
والقول الأول٢ أصح، لأن الاشتقاق والمعنى يشهد له. فإن أصل هذه المادة من الذرء، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾[الشورى: ١١]، وفي الحديث:
٢٨١ - "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ"٣، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾[الأعراف: ١٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا
(١) من (ح). وفي بقية النسخ وقع تحريف. (٢) سقط من (ب).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤١٩) رقم (١٥٤٦١)، وابن السني في عمل اليوم والليلة رقم (٦٣٧)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ٩٥) وفي الأسماء والصفات (١/ رقم ٣٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١١٤) وغيرهم. من طرق عن جماعة عن جعفر الضبعي عن أبي التَّيّاح قال: سأل رجل عبد الرحمن بن خنبش فذكر الحديث مطولًا. وخالفهم سيار بن حاتم فرواه عن جعفر عن أبى التياح قال: قلت لعبد الرحمن بن خنبش، فذكره. أخرجه أحمد (٣/ ٤١٩) رقم (١٥٤٦٠). وهذا خطأ، أعله البخاري وابن منده، والصواب الأول. وعليه فالإسناد ضعيف، للانقطاع. انظر: الإصابة لابن حجر (٤/ ١٥٧).