جلاء الأفهام

ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [النحل: ١٣]، فالذُّرِّية فُعِّيْلَة١ منه، بمعنى مَفْعُولة، أي: مَذْرُوْأَة٢، ثم أبدلوا همزها فقالوا: ذُرِّيّة.

المسألة الثانية: في معنى هذه اللفظة.

ولا خلاف بين أهل اللغة٣ أن الذرية تقال على الأولاد الصغار، وعلى الكبار أيضًا، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ٣٣ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤]، وقال: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٨٧﴾ [الأنعام: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ٢ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ٣﴾ [الإسراء: ٢ - ٣].

وهل تقال الذرية على الآباء٤؟ فيه قولان: أحدهما أنهم يسمون ذرية أيضًا.

واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي

  1. (١) سقط من (ح) وفي (ب، ت، ظ، ش) (فعلية) وهو خطأ.
  2. (٢) في (ح، ش، ت) (مذروه).
  3. (٣) انظر الصحاح (١/ ٩٣) واللسان (١/ ٨٠).
  4. (٤) انظر تاج العروس (١/ ١٥٦) ط: دار الفكر.
296

الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ [يس: ٤١].

وأنكر ذلك جماعةٌ من أهل اللغة، وقالوا لا يجوز هذا في اللغة، والذُّرِّيّة كالنَّسل والعقب لا يكون إلا للعمود الأسفل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ٨٧]، فذكر جهات النسب الثلاث من فوق، ومن أسفل، ومن الأطراف.

قالوا: وأما الآية التي استشهدتم بها فلا دليل لكم فيها، لأن الذُّرِّيَّة فيها لم تُضَفْ١ إليهم إضافة نَسْلٍ وإيْلَاد، وإنما أضيفت إليهم بوجهٍ ما، والإضافة تكون بأدْنَى ملابسة واخْتِصَاص، وإذا كان الشَّاعر قد أضَافَ الكوكبَ في قوله٢:

إِذَا كَوْكَبُ الخَرْقَاءِ لاْحَ بِسَحْرةٍسُهَيْل أَذاعَتْ غَزْلَها في القَرائِب

فأضاف إليها الكوكب؛ لأنها كانت تغزل إذا لاح وظهر.

والاسم قد يُضاف بوجهين مختلفين إلى شيئين، وَجهَةُ إضافته إلى أحدهما غيرُ جهَةِ إضافته إلى الآخر، قال أبو طالب٣ في النبي ﷺ:

لَقَدْ عَلِمُوا أنَّ ابْنَنَا لا مُكَذَّبٌلَدَيْنَا ولا يُعْزَى لِقَوْلِ الأَبَاطِل

فأضاف بُنُوّته٤ إليه بجهةٍ غير جِهَة إضافته إلى أبيه عبد الله،

  1. (١) وقع في (ب) (يضف) بالياء، وفي (ظ، ت) غير منقوطة.
  2. (٢) انظر: خزانة الأدب (١/ ٤٩٧).
  3. (٣) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٨٠).
  4. (٤) في (ح) (نبوته) وهو خطأ.
297

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي