جلاء الأفهام

الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ [يس: ٤١].

وأنكر ذلك جماعةٌ من أهل اللغة، وقالوا لا يجوز هذا في اللغة، والذُّرِّيّة كالنَّسل والعقب لا يكون إلا للعمود الأسفل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ٨٧]، فذكر جهات النسب الثلاث من فوق، ومن أسفل، ومن الأطراف.

قالوا: وأما الآية التي استشهدتم بها فلا دليل لكم فيها، لأن الذُّرِّيَّة فيها لم تُضَفْ١ إليهم إضافة نَسْلٍ وإيْلَاد، وإنما أضيفت إليهم بوجهٍ ما، والإضافة تكون بأدْنَى ملابسة واخْتِصَاص، وإذا كان الشَّاعر قد أضَافَ الكوكبَ في قوله٢:

إِذَا كَوْكَبُ الخَرْقَاءِ لاْحَ بِسَحْرةٍسُهَيْل أَذاعَتْ غَزْلَها في القَرائِب

فأضاف إليها الكوكب؛ لأنها كانت تغزل إذا لاح وظهر.

والاسم قد يُضاف بوجهين مختلفين إلى شيئين، وَجهَةُ إضافته إلى أحدهما غيرُ جهَةِ إضافته إلى الآخر، قال أبو طالب٣ في النبي ﷺ:

لَقَدْ عَلِمُوا أنَّ ابْنَنَا لا مُكَذَّبٌلَدَيْنَا ولا يُعْزَى لِقَوْلِ الأَبَاطِل

فأضاف بُنُوّته٤ إليه بجهةٍ غير جِهَة إضافته إلى أبيه عبد الله،

  1. (١) وقع في (ب) (يضف) بالياء، وفي (ظ، ت) غير منقوطة.
  2. (٢) انظر: خزانة الأدب (١/ ٤٩٧).
  3. (٣) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٨٠).
  4. (٤) في (ح) (نبوته) وهو خطأ.
297

وهكذا١ لفظة رسول الله ﷺ، فإن الله سبحانه يُضيفه إليه تارة، كقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ [المائدة: ١٥]، وتارة إلى المُرْسَل إليهم كقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٩]، فأضافه٢ سبحانه إليه إضَافَة رسولٍ إلى مُرْسِلهِ، وأضافه٣ إليهم إضافة رسولٍ إلى مرسَل إليهم. وكذا لفظ "كتابه"، فإنه يضاف إليه تارة، فيقال٤: كتاب الله. ويضاف إلى العباد تارة، فيقال: كتابنا القرآن، وكتابنا خير الكتب، وهذا كثير. فهكذا لفظ الذُّرِّيَّة، أُضِيْف إليهم بجهة غير الجهة التي أُضِيْف بها إلى آبائهم.

وقالت طائفة: بل المراد جنس بني آدم، ولم يقصد الإضافة إلى الموجودين في زمن النبي ﷺ، وإنما أُرِيْد ذُرِّيَّة الجِنْس.

وقالت طائفة: بل المراد بالذرية نفسها، وهذا أبلغ في قدرته وتَعْديد نعمه عليهم، أنْ حَمَلَ دريتهم في الفُلْك في أصْلاب آبائهم، والمعنى: أنَّا حَمَلْنا الذين هم ذُرِّيّة هؤلاء وهم نُطَفٌ في أصلاب الآباء، وقد أشْبَعْنا الكلام على ذلك في كتاب "الروح والنفس"٥.

  1. (١) وقع في (ب) (وهذا).
  2. (٢) في (ح) (فإضافته).
  3. (٣) في (ح) (وإضافته).
  4. (٤) سقط من (ش، ت).
  5. (٥) هو كتاب غير كتاب (الروح) المطبوع، انظر كتاب ابن قيم الجوزية، حياته وآثاره ص ١٦١ - ١٦٢.
298

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي