جلاء الأفهام

٢٨٥ - "أصْبَحْنَا على فِطْرةِ الإسْلام وكَلِمَة الإخْلاص، ودِيْنِ نَبِيِّنا مُحمَّدٍ، ومِلّة أبِيْنا إبْراهِيْم حَنِيْفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكين".

وتأمَّل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام، فإنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وكلمة الإخلاص هي: شهادة أن لا إله إلا الله، والمِلَّة لإبراهيم ﵊ فإنه صاحب الملة، وهي التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ومحبته فوق كل محبة. والدين للنبي ﷺ، وهو دينه الكامل وشرعه التَّام الجامع لذلك كله.

وسَمَّاه الله سبحانه: إمَامًا، وأُمَّة، وقانتًا، وحنيفًا. وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ١٢٤﴾ [البقرة: ١٢٤]، فأخبر سبحانه أنه جعله إمامًا للناس، وأنَّ الظَّالم من ذُرِّيته لا ينال رُتْبة الإِمَامَة، والظَّالم هو المشرك، وأخبر سبحانه أنَّ عَهْدَه بالإمَامة لا ينالُ من أشرك به، قالى تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٢٠ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ١٢١ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ١٢٢﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢].

فالأُمَّة هو: القدوةُ المعلِّم للخير، والقانتُ: المطيعُ لله تعالى الملازمُ لطاعته، والحنيفُ: المقبلُ على الله تعالى، المعْرض عَمَّا

  1. = الأفكار (٢/ ٣٧٩).
305

سواه، ومَنْ فَسَّره بالمائل فلم يُفسِّره بنفس موضوع اللفظ، وإنما فسَّره بلازم المعنى، فإنّ الحنف هو الإقبال، ومن أقبل على شيء مال عن غيره، والحنف في الرِّجْلَين هو إقبال إحداهما١ على الأخرى، ويلزمه ميلها عن جهتها. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فحنيفًا هو حال مفردة٢ لمضمون قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، ولهذا فُسِّرت "مخلصًا"، فتكون الآية قد تضمنت الصدق والإخلاص، فإن إقامة الوجه للدين هو: إفراد طلبه بحيث لا يبقى في القلب إرادة لغيره، والحنيف: المُفْرِدُ لمعبوده لا يريد غيره. فالصدق أن لا ينقسم طلبك، والإخلاص٣ أن لا ينقسم مطلوبك، الأول: توحيد الطلب، والثاني: توحيد المطلوب.

والمقصود: أن إبراهيم ﵊ هو أبونا الثالث، وهو إمام الحنفاء، وتسميه أهل الكتاب عمود العالم، وجميع أهل الملل مُتَّفِقَة على تعظيمه وتولِّيْه ومَحَبَّته.

وكان خير بنيه سيد ولد آدم محمدًا ﷺ يُجلّة ويُعظّمه ويُبجّله ويحترمه.

  1. (١) في (ب) (أحدهما).
  2. (٢) من (ح) وفي (ب) (مقرّة) وهو خطأ، ووقع في (ش، ت، ظ، ج) (مُقَدَّرة).
  3. (٣) في (ظ، ت، ج) (والإفراد).
306

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي