سواه، ومَنْ فَسَّره بالمائل فلم يُفسِّره بنفس موضوع اللفظ، وإنما فسَّره بلازم المعنى، فإنّ الحنف هو الإقبال، ومن أقبل على شيء مال عن غيره، والحنف في الرِّجْلَين هو إقبال إحداهما١ على الأخرى، ويلزمه ميلها عن جهتها. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾[الروم: ٣٠]، فحنيفًا هو حال مفردة٢ لمضمون قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، ولهذا فُسِّرت "مخلصًا"، فتكون الآية قد تضمنت الصدق والإخلاص، فإن إقامة الوجه للدين هو: إفراد طلبه بحيث لا يبقى في القلب إرادة لغيره، والحنيف: المُفْرِدُ لمعبوده لا يريد غيره. فالصدق أن لا ينقسم طلبك، والإخلاص٣ أن لا ينقسم مطلوبك، الأول: توحيد الطلب، والثاني: توحيد المطلوب.
والمقصود: أن إبراهيم ﵊ هو أبونا الثالث، وهو إمام الحنفاء، وتسميه أهل الكتاب عمود العالم، وجميع أهل الملل مُتَّفِقَة على تعظيمه وتولِّيْه ومَحَبَّته.
وكان خير بنيه سيد ولد آدم محمدًا ﷺ يُجلّة ويُعظّمه ويُبجّله ويحترمه.
(١) في (ب) (أحدهما).
(٢) من (ح) وفي (ب) (مقرّة) وهو خطأ، ووقع في (ش، ت، ظ، ج) (مُقَدَّرة).
(٣) في (ظ، ت، ج) (والإفراد).
٢٨٦ - ففي "الصحيحين"١: من حديث المختار بن فُلْفُل، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: جَاءَ رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا خَيْرَ البَرِيَّة، فقال رسول الله ﷺ: "ذَاْكَ إبْراهِيْم".
وسماه شيخه، كما تقدم.
٢٨٧ - وثبت في "صحيح البخاري"٢ من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ، أنه قال: "إنَّكم مَحْشُورُون حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ١٠٤﴾[الأنبياء: ١٠٤]، وأوَّل مَنْ يُكْسَى يومَ القيامةِ إبْرَاهِيْم".
٢٨٨ - وكان رسول الله ﷺ أشبه الخلق به، كما في "الصحيحين"٣، عنه قال: "رأيتُ إبراهيْمَ فإذا أقْرب النَّاس شَبَهًا به صَاحِبكم" يعني نَفْسَهُ ﷺ، وفي لفظ آخر: "فَانْظُروا إلى صاحِبِكم"٤.
(١) أخرجه مسلم في (٤٣) في الفضائل (٢٣٦٩) ولم يخرجه البخاري. انظر: تحفة الأشراف (١/ ٤٠٢) رقم (١٥٧٤).
(٢) أخرجه البخاري في (٦٤) الأنبياء (٣١٧١)، ومسلم في (٥١) الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٦٠) من حديث.
(٣) أخرجه مسلم في (١) الإيمان (١٦٧) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٤) أخرجه البخارى في (٦٤) الأنبياء (٣١٧٧)، ومسلم في (١) الإيمان (١٦٦) (٢٧٠).