حضرته، ولا تضع الطعام في ناحية، ثم تأمر ضيفك بأن يتقرب إليه.
الثالث عشر: أنه قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ ٢٧﴾ وهذا عرض وتلطُّف في القول، وهو أحسن من قوله: كلوا، أو مُدُّوا أيديكم، ونحوها، وهذا مِمَّا يعلم الناس بعقولهم حُسْنه ولطفه، ولهذا يقولون: بسم الله، أو ألا تتصدَّق، أو ألا تجبر، ونحو ذلك.
الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل؛ لأنه رآهم لا يأكلون، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل، بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا، وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال لهم: ألا تأكلون، ولهذا أوْجَسَ منهم خِيْفَة، أي: أحسَّها وأضْمَرها في نفسه، ولم يُبْدِها لهم، وهو الوجه.
الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل لطعامه خاف من أن يظهر لهم ذلك، فلمَّا علمت الملائكة منه ذلك، قالوا: لا تخف، وبَشَّرُوه بالغلام.
فقد جمعت هذه الآية آداب الضِّيافة التي هي أشرف الآداب، وما عداها من التكلُّفات التي هي تخلُّف١ وتكلف إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم، وكفى بهذه الآداب شرفًا وفخرًا، فصلى الله على نبينا، وعلى إبراهيم وعلى آلهما وعلى سائر النبيين.
وقد شهد الله سبحانه بأنه وفَّى ما أُمِرَ به فقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ
٢٩٠ - قال ابن عباس ﵁: "وفَّى جميع شرائع الإسلام، ووفَّى ما أمر به من تبليغ الرسالة"١.
وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾[البقرة: ١٢٤]، فلمَّا أتمَّ ما أُمِر به من الكلمات جعله الله إمامًا للخلائق يأتمُّون به.
وكان ﷺ كما قيل: قَلْبُهُ للرحمن، وولده للقُرْبان، وبَدَنه للنِّيْران، وماله للضِّيفان.
ولمَّا اتخذه ربه خليلًا -والخُلَّة هي كمال المحبة، وهي مرتبة لا تقبل المشاركة والمزاحمة، وكان قد سأل ربه أن يهب له ولدًا صالحًا، فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فغار الخليل٢ على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره، فامتحنه بذبحه؛ ليظهر سرُّ الخُلَّة في تقديمه محبَّة خليله على محبَّة ولده، فلمَّا اسْتَسْلم لأَمر ربه وعزم على فعله وظهر سلطان الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثارًا لمحبة خليله على محبته، نسخ٣ الله تعالى ذلك عنه وفداه بالذِّبْحِ العظيم، لأنَّ المَصْلحة في الذَّبْح كانت
(١) أخرجه الطبري فى تفسيره (٢٧/ ٧٣) عن ابن عباس بمعناه وسنده ضعيف جدًا. وثبت نحوه عن مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة.