جلاء الأفهام

ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أُمِرَ به، فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح في نفسه١ مفسدة، فنسخ في حقه، وصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضَّحايا سُنَّة في أتْبَاعه إلى يوم القيامة.

وهو الذي فتح للأُمَّة باب مناظرة المشركين وأهل الباطل، وكَسْر حُجَجِهم، وقد ذكر الله سبحانه مناظرته في القرآن مع إمام المعطلِيْن، ومناظرته مع قومه المشركين، وكَسْرَ حُجَج الطائفتين بأحسن مناظرة، وأقربها إلى الفهم وحصول العلم.

قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]، قال زيد بن أسلم وغيره:

٢٩١ - "بالحجة والعلم"٢. ولما غُلِبَ أعداءُ الله معه بالحُجَّة، وظهرت حُجَّته عليهم، وكَسَرَ أصنامهم، فكَسَرَ حُجَجَهم ومعبودهم، همُّوا بعقوبته وإلقائه في النار، وهذا شأن المبطلين إذا غُلِبُوا وقامت عليهم الحجة هموا بالعقوبة، كما قال فرعون لموسى ﵊ وقد أقام عليه الحجة: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، فأضرموا له النار وألقوه

  1. (١) من (ب) قوله (في نفسه) وفي (ش، ت، ظ) (نفسه).
  2. (٢) أخرجه ابن وهب في التفسير من "جامعه" (٢/ رقم ٢٧٤) عن زيد بن أسلم قال: "بالعلم"، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ رقم ٧٥٥٠) وسنده صحيح، ولفظه (إنه العلم، يرفع الله به من يشاء في الدنيا). وانظر: تفسير الطبري (٧/ ٢٥٩).
314

في المنجنيق، فكانت تلك السَّفْرة من أعظم سفرة سافرها وأبركها عليه، فإنه ما سافر سفرةً أبرك ولا أعظم ولا أرفع لشأنه وأقرّ لعينه منها، وفي تلك السفرة عرض له جبريل بين السماء والأرض فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا١.

٢٩٢ - قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ١٧٣﴾ [آل عمران: ١٧٣]، "قالها نبيكم، وقالها إبراهيم حين ألقي في النار"٢، فجعل الله سبحانه عليه النار بردًا وسلامًا.

٢٩٣ - وقد ثبت في "صحيح البخاري"٣: من حديث أم شَرِيْك أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بِقَتْل الوَزغَ وقال: "كانت تنفُخُ عَلَى٤ إبْراهِيْم".

وهو الذي بنى بيت الله وأذَّنَ في الناس بحجِّه؛ فكل مَنْ حَجَّه واعْتَمره حصل لإبراهيم من مزيد ثواب الله تعالى وإكرامه بعدد الحُجَّاج والمعتمرين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].

  1. (١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ٤٥) مقطوعًا.
  2. (٢) أخرجه البخاري في (٦٨) التفسير/ آل عمران (٤٢٨٧).
  3. (٣) في (٦٤) الأنبياء (٣١٨٠)، ومسلم في (٣٩) السلام (٢٢٣٧).
  4. (٤) وقع في نسخة (ظ) على حاشية (ب) (نار) بدلًا عن (على)، وفي (ت، ج) (تنفخ النار على …) وهي غير موجودة في البخاري.
315

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي