الفصل السادس في ذكر المسألة المشهورة بين الناس وبيان ما فيها١
وهي أن النبي ﷺ أفضل من إبراهيم، فكيف طلب له ﷺ من الصلاة ما لإبراهيم ﷺ، مع أن المشبَّه به أصله أن يكون فوق المشبَّه؟ فكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين٢؟.
ونحن نذكر ما قاله الناس في هذا، وما فيه من صحيح وفاسد.
* فقالت طائفة: هذه الصلاة علَّمها النَّبي ﷺ أُمَّته قبل أن يعرف أنَّه سَيِّد ولد آدم.
ولو سكت قائل هذا لكان أولى به وخيرًا له، فإنَّ هذه هي الصلاة التي علَّمهم النبي ﷺ إياها لما سألوه عن تفسير ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ٥٦﴾[الأحزاب: ٥٦]، فعلمهم هذه الصلاة وجعلها مشروعة في صلوات الأُمَّة إلى يوم القيامة، والنبي ﷺ لم يَزَلْ أفضل ولد آدم قبل أن يعلم بذلك وبعده. وبعد أن عَلِمَ بذلك٣، لم يُغيِّر نظم
(١) سقط من (ب) (وبيان ما فيها).
(٢) في (ب) (المنافين) وهو خطأ.
(٣) سقط من (ب) (وبعدَه، وبعد أن علم بذلك).
الصلاة التي عَلَّمَها أمته، ولا أبدلها بغيرها، ولا روى عنه أحد خلافها، فهذا من أفسد جواب يكون.
* وقالت طائفة أخرى: هذا السؤال والطلب شُرِع لِيتَّخذه الله خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، وقد أجابه الله تعالى١ إلى ذلك.
٢٩٦ - كما ثبت عنه٢ في "الصحيح"٣: "أَلَا وَإنَّ صَاحِبَكم خَلِيلُ الرَّحْمَنِ" يعني نفسه.
وهذا الجواب من جنس ما قبله؛ فإن مضمونه: أنه بعد أن اتخذه الله خليلًا، لا تُشرَع الصلاة عليه على هذا الوجه، وهذا من أبطل الباطل.
* وقالت طائفة أخرى: إنما هذا التَّشبيه راجع إلى المُصَلِّي فيما يحصل له من ثواب الصَّلاة عليه، فطلب من ربه تعالى ثوابًا، وهو أن يصلي عليه كما صلى على آل إبراهيم، لا بالنسبة إلى النبي ﷺ، فإن المطلوب لرسول الله ﷺ مِن الصَّلاة أجل وأعْظَمُ ممّا هو حاصل لغيره من العالمين.
وهذا من جنس ما قبله، أو أفسد، فإن التشبيه ليس فيما يحصل للمصلِّي، بل فيما يحصل للمصلَّى عليه، وهو النبي ﷺ
(١) من (ب) فقط قوله (تعالى).
(٢) سقط من (ظ، ت) (كما ثبت عنه)، وفي (ج) طمس من الأصل.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٣٨٣) من حديث ابن مسعود ﵁.