وآله، فمن قال: إن المعنى اللهم أعطني من ثواب صلاتي عليه كما صليت على آل إبراهيم، فقد حَرَّف الكلم، وأبطل في كلامه.
ولولا أن هذه الوجوه وأمثالها قد ذكرها بعض الشُّرَّاح وسَوَّدُوا بها الطُّروس١، وأوهموا الناس أن فيها تحقيقًا، لكان الإضراب عنها صفحًا أولى من ذكرها، فإنَّ العالم يستحيي من التَّكلم على هذا والاشتغال بردِّه.
* وقالت طائفة أخرى: التشبيه عائد إلى الآل فقط، وتَمَّ الكلام عند قوله: "اللهم صل على محمد"، ثم قال: ""وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم"، فالصلاة المطلوبة لآل محمد هي المشبَّهة بالصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، وهذا نقله العِمْراني٢ عن الشافعي.
وهو باطل عليه قطعًا، فإن الشافعي أجلُّ من أن يقول مثل هذا، ولا يليق هذا بعلمه وفصاحته، فإن هذا في غاية الرَّكاكة والضَّعف٣.
(١) جمع طِرْس، وهي الصحيفة. انظر: اللسان (٦/ ١٢١) مادة: طرس.
(٢) هو أبو الحسن يحيى بن أبي الحسن العِمْراني، شيخ الشافعية في اليمن، (ت: ٥٧٨ هـ). طبقات فقهاء اليمن للجعدي ص ١٧٤. وانظر البيان للعمراني (٢/ ٢٤٥).
(٣) قال ابن حجر: "وليس التركيب المذكور بركيك … " لكن تعقبه الزركشي. انظر فتح الباري (١١/ ١٦٥)، والقول البديع للسخاوي ص ٨٤.
وقد تقدم في كثير من أحاديث الباب: "اللهم صل على محمد كما صليت على آل إبراهيم"، وقد تقدمت الأحاديث بذلك١. وأيضًا فإنه لا يَصحُّ من جهة العربيّة، فإن العامل إذا ذُكِر معموله وعطف عليه غيره، ثم قُيِّد بظرف، أو جار ومجرور، أو مصدر أو صفة مصدر، كان ذلك راجعًا إلى المعمول وما عطف، عليه، هذا الذي لا تحتمل٢ العربية غيره، فإذا قلت: جاءني زيد وعمرو يوم الجمعة، كان الظرف مقيدًا لمجيئهما، لا لمجيء عمرو وحده، وكذلك إذا قلت: ضربت زيدًا وعَمْرًا ضربًا مؤلمًا، أو أمام الأمير، أو سَلَّم عليَّ زيد وعمرو يوم الجمعة ونحوه.
فإن قلت: هذا متوجِّه إذا لم يَعد العامل، فأما إذا أُعِيد العامل حَسُن ذلك، تقول: سَلِّم على زيد وعلى عمرو إذا لقيته، لم يمتنع أن يختصَّ ذلك بعمرو، وهنا قد أُعِيْد العامل في قوله: "وعلى آل محمد".
قيل" هذا المثال ليس بمطابق٣ لمسألة الصلاة، وإنما المطابق أن نقول: سلِّم على زيد وعلى عمرو، كما تُسلِّم على المؤمنين، ونحو ذلك، وحينئذ فادِّعَاء أن التَّشبيه لِسَلامِه على عمرو وحْده دون زيد دعوى باطلة.