* وقالت طائفة أخرى: لا يلزم أن يكون المشبَّه به أعلى من المشبَّه، بل يجوز أن يكونا متماثلين، وأن يكون المشبَّه١ أعلى من المشبه به. قال هؤلاء: والنبي ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ من وجوه غير الصلاة، وإن كانا متساويين في الصلاة. قالوا: والدليل على أن المشبَّه قد يكون أفضل من المشبَّه به قول الشاعر٢:
أحدها: أن هذا خلاف المعلوم من قاعدة تشبيه الشيء بالشيء، فإن العرب لا تشبه الشيء إلا بما٣ هو فوقه.
الثاني: أن الصلاة من الله تعالى من أجلِّ المراتب وأعلاها، ومحمد ﷺ أفضل الخلق٤، فلا بدَّ أن تكون الصلاة الحاصلة له أفضل من كل صلاة تحصل لكلِّ٥ مخلوق، فلا يكون غيره مساويًا له فيها.
الثالث: أن الله سبحانه أمر بها بعد أنْ أخبر أنه وملائكته
(١) سقط من (ب) من قوله (به أعلى) إلى (يكون المشبه).
(٢) تقدم ص (٢٩٠).
(٣) في (ب) (بمن).
(٤) في (ب) (الخلائق).
(٥) في (ب) (من كل).
يُصلُّون عليه١، فأمر٢ بالصَّلاة والسلام عليه، وأكَّدَه بالتسليم، وهذا الخبر والأمر لم يثبتهما في القرآن لغيره من المخلوقين.
٢٩٧ - الرابع: أن النبي ﷺ قال: "إن الله وملائكته يصلون على معلِّم الناس الخير"٣، وهذا لأن بتعليمهم الخير قد أنقذوهم من شرِّ الدنيا والآخرة، وتسبَّبُوا بذلك إلى فلاحهم وسعادتهم، وذلك سبب دخولهم في جملة المؤمنين الذين يصلي عليهم الله وملائكته. فلما تسبَّب مُعلِّموا الخير إلى صلاة الله وملائكته على مَنْ يُعلِّم منهم، صلى الله عليهم وملائكته، ومن المعلوم أنه لا أحد من معلمي الخير أفضل ولا أكثر تعليمًا من النبي ﷺ، ولا أنصح لأُمَّته، ولا أصبر على تعليمه منه، ولهذا نال أُمَّته من تعليمه لهم مالم تنله أُمَّة من الأُمَمِ سِواهم، وحصل للأُمَّة من تعليمه ﷺ٤ من العلوم النافعة والأعمال الصالحة ما صارت به خير أمة أخرجت للعالمين٥، فكيف تكون٦ الصلاة على هذا الرسول المُعَلِّم للخير ﷺ مساوية للصلاة على مَنْ لم يماثله في هذا التعليم؟.
(١) سقط من (ظ، ت، ج) (عليه).
(٢) في (ح) (وأمر).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٦٨٥)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٧٨) رقم (٧٩١٢) وغيرهما ورفعه خطأ، والصواب عن مكحول مرسلًا. أخرجه الدارمي في مسنده (١/ ٣٣٤) رقم (٢٩٧) وغيره.