جلاء الأفهام

وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، والتشبيه إنما هو في أصل الصوم، لا في عَيْنِهِ وقَدْرِه وكيْفِيَّتِهِ. وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ومعلوم تفاوت ما بين١ النشأة الأولى وهي المبدأ، والثانية وهي المعاد. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ١٥﴾ [المزمل: ١٥]، ومعلوم أن التشبيه في أصل الإرسال لا يقتضي تماثل الرسولين.

٢٩٨ - وقال النبي ﷺ: "لو أنكم تَتَوكَّلُون عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرزَقكُم كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْر تَغْدُو خِمَاصًا وتَرُوحُ بطَانًا"٢ فالتشبيه هنا في أصل الرزق، لا في قدره ولا كيفيته، ونظائر ذلك.

وهذا الجواب ضعيف أيضًا لوجوه:

منها أن ما٣ ذكروه يجوز أن يستعمل في الأعلى والأدنى والمساوي. فلو قلت: أحسن إلى ابنك٤ وأهلك كما أحسنت إلى

  1. (١) في (ب) (تفاوة بين).
  2. (٢) أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وأحمد (١/ ٣٠)، وابن حبان (٢/ ٥٠٩) (٧٣٠)، والحاكم (٤/ ٣١٨) رقم (٧٨٩٤) وغيرهم.
    والحديث صححه الترمذي وابن حبان والحاكم.
    قال علي بن المديني: "لم نجده إلا من هذا الوجه، وإسناده مصري، ورجاله معروفون عند أهل مصر". مسند الفاروق (٢/ ٦٣٧).
  3. (٣) في (ب) فقط (ما ذكره).
  4. (٤) في (ظ) غير منقوطة، وفي (ح) (فلان) بدلًا من (ابنك).
327

مركوبك وخادمك ونحوه، جاز ذلك. ومن المعلوم أنه لو كان التشبيه في أصل الصلاة، لحسن أن نقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل أبي أوفى، أو كما صليت على آحاد المؤمنين ونحوه، أو كما صليت على آدم، ونوح، وهود، ولوط، فإن التشبيه عند هؤلاء إنما هو واقع في أصل الصلاة، لا في قَدْرها ولا صِفَتِها، ولا فَرْق في ذلك بين كلِّ من صلى عليه، وأيُّ مِزيَّة١ وفضيلة في ذلك لإبراهيم وآله، وما الفائدة حينئذ في ذكره وذكر آله؟ وكان الكافي في ذلك أن يقال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد فقط.

الثاني: أن٢ ما ذكروه من الأمثلة ليس بنظير الصلاة على النبي ﷺ، فإن هذه الأمثلة نوعان: خبر، وطلب؛ فما كان منها خبرًا فالمقصود بالتشبيه به: الاستدلال والتقريب إلى الفَهْم وتقرير ذلك الخبر، وأنه مما لا ينبغي لعاقل إنكاره كنظير المشبَّه به، فكيف تنكرون الإعادة وقد وقع الاعتراف بالبداءة وهي نظيرها، وحكم النظير حكم نظيره، ولهذا يَحْتَجُّ سبحانه بالمبدأ على المعاد كثيرًا، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ٢٩﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ٧٨ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ٧٩﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]،

  1. (١) في (ح) ونسخة على حاشية (ب) (مزيَّة)، وفي (ب) (ميزية)، والباقي (ميزة).
  2. (٢) في (ب) (ما ذكره).
328

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي