ومعلوم أنه لو قيل: اغفر لي كل ما صنعت كان أوجز، ولكن ألفاظ الحديث في مقام الدعاء والتضرع، وإظهار العبوديَّة والافتقار، واستحضار الأنواع التي يَتُوب العبد منها تفصيلًا أحسن وأبلغ من الإيجاز والاختصار.
٣٠٩ - وكذلك قوله في الحديث الآخر١: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذَنْبِي كُلَّه، دِقَّه وجِلَّه سِرّهُ وعَلَانِيَّته، وأوَّله وآخره".
٣١٠ - وفي الحديث٢: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ خَطِيْئَتِي وجَهْلِي وإسْرَافِي في أمْرِي، وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وهَزْلي وخَطَئِي وعَمْدِي، وكلُّ ذلك عِنْدِي".
وهذا كثير في الأدعية المأثورة، فإن الدعاء عبودية لله، وافتقار إليه، وتذلُل بين يديه، فكلَّما كَثَرِّهُ العبدُ وطوَّلَهُ وأعاده وأبداه ونَوّعَ جُمَلَه؛ كان ذلك أبلغ في عبوديته، وإظهار فقره، وتذلُّله، وحاجته، وكان ذلك أقرب له من ربه، وأعظم لثوابه.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه في (٤) الصلاة (٤٨٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في (٨٣) الدعوات (٦٠٣٥ و٦٠٣٦)، ومسلم في (٤٨) الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٢٧١٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
وهذا بخلاف المخلوق، فإنك كلما كثَّرت سؤاله، وكرَّرت حوائجك إليه، أبْرمْته، وثَقَّلْت عليه، وهُنْتَ عليه، وكلما تركت سؤاله كنت أعظم عنده وأحب إليه. والله سبحانه كُلَّما سألته كنت أقربَ إليه وأحبَّ إليه، وكلما ألْحَحْتَ عليه في الدعاء أحبَّك، ومن لم يسأله يغضب عليه:
وأما الخبر فهو خبر عن٢ أمْرٍ قد وقع وانقضى، لا يحتمل الزيادة والنقصان، فلم يكن في زيادة اللفظ فيه كبير٣ فائدة، ولاسِيَّما ليس المقام مقام إيضاح وتفهيم للمخاطب ليحسن معه البَسْط والإطناب، فكان الإيجاز فيه والاختصار أكمل وأحسن، فلهذا جاء فيه بلفظ: "إبراهيم" تارة وبلفظ: "آله" أخرى، لأنَّ كِلا اللفظين يدل على ما يدل عليه الآخر من الوجه الذي قدمناه، فكان المراد باللفظين واحدًا مع الإيجاز والاختصار. وأما في الطلب فلو قيل: "صل على محمد" لم يكن في هذا ما يدل على الصلاة على
(١) انظر البيت في المستطرف لِلأبشيهي (٢/ ٣٠١ - ط: إبراهيم صالح) ولم ينسبه لأحد.
(٢) في (ظ) (وأما الخبر، فهو خبر قد مرَّ وقد وقع وانقضى)، وفي (ت) (فهو خبر قد أمر قد وقع)، وفي (ج) بياض.