البركة، وهذا الثناء في حقه تعالى إنما هو لوصف رجع إليه كتعالى، فإنه تفاعل من العلو؛ ولهذا يقرن بين هذين اللفظين، فيقال: "﵎"، وفي دعاء القنوت:
٣١١ - "تباركت وتعاليت"١، وهو سبحانه أحق بذلك وأولى من كل أحد، فإن الخير كله بيديه٢، وكل الخير منه. وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة، وخيرات لا شرور فيها، كما قال النبي ﷺ:
٣١٢ - "والشَّرُّ لَيْسَ إليْكَ"٣، وإنما يقع الشر في مفعولاته ومخلوقاته، لا في فعله سبحانه. فإذا كان العبد وغيره مباركًا، لكثرة خيره ونفعه واتصال أسباب الخير فيه، وحصول ما ينتفع به الناس منه، فالله ﵎ أحق أن يكون متباركًا، وهذا ثناء يشعر بالعظمة، والرفعة والسعة، كما يقال: تعاظم وتعالى، ونحوه، فهو دليل على عظمته وكثرة خيره ودوامه، واجتماع صفات الكمال فيه، وأن كل نفع في العالم كان ويكون فمن نفعه سبحانه وإحسانه.
ويدلُّ هذا الفعل أيضًا في حقه على العظمة والجلال وعُلُوِّ الشأن، ولهذا إنما يذكره غالبًا مفتتحًا به جَلَالَه وعَظَمَتَه وكبْرياءَه،
(١) سيأتي برقم (٣٦٨ و٣٦٩).
(٢) في (ح) (بيده).
(٣) أخرجه مسلم في (٦) صلاة المسافرين وقصرها (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ٥٤﴾[الأعراف: ٥٤]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ١﴾[الفرقان: ١]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ٦١﴾[الفرقان: ٦١]، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٨٥﴾[الزخرف: ٨٥]، و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ١﴾[الملك: ١]، وقال تعالى عقب خلق الإنسان في أطواره السبعة: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ١٤﴾[المؤمنون: ١٤]، فقد ذكر تباركه سبحانه في المواضع التي أثنى فيها على نفسه بالجلال والعظمة، والأفعال الدالة على ربوبيته وإلهيته١ وحكمتة وسائر صفات كماله: من إنزال الفرقان، وخلق العالمين، وجعله البروج في السماء والشمس والقمر، وانفراده بالملك، وكمال القدرة.
٣١٣ - ولهذا قال أبو صالح: عن ابن عباس٢﵁: "تبارك" بمعنى: تعالى.
وقال أبو العباس٣: "تبارك": ارتفع، "والمبارك":
(١) في (ب) (هيبته).
(٢) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (١/ ٣١٩)، وزاد المسير لابن الجوزي (٣/ ٢١٤)، ولسان العرب (١٠/ ٣٩٦) (مادة: برك).