وقال ابن عطية١: "معناه عَظُم، وكثرت بركاته. ولا يوصف بهذه اللفظة إلا الله ﷾، ولا تتصرف هذه اللفظة في لغة العرب، لا يستعمل منها مضارع ولا أمْر. -قال- وعِلَّة ذلك أن "تبارك" لما لم يوصف به غير الله، لم يقتض مستقبلًا، إذ الله تعالى قد تبارك في الأزل -قال- وقد غلط أبو علي الفالي، فقيل له: كيف المستقبل من تبارك؟ فقال: يتبارك. فوقف على أن العرب لم تقله".
وقال ابن قتيبة٢: "تبارك اسمك٣: تفاعل من البركة، كما يقال: "تعالى اسمك" من العلو، يراد به أن البركة في اسمك، وفيما سُمِّي عليه. -وقال- وأنشدني بعض أصحاب اللغة بيتًا حفظت عَجُزَهُ:
إلى الجذْعِ جِذْع النَّخْلَةِ المُتَبَارَكِ".
فقوله: يراد به أن البركة في اسمك وفيما سُمِّي عليه، يدل على أن ذلك صفة لمن تبارك، فإن بركة الاسم تابعة لبركة اليسمى، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ٥٢﴾[الحاقة: ٥٢]، دليلًا على الأمر بتسبيح الرب بطريق الأولى، فإن
(١) انظر: المحرر الوجيز (٧/ ٧٧).
(٢) انظر: غريب الحديث له (١/ ١٦).
(٣) في (ب) (اسم)، وفي (ت) (اسم لك) وكلاهما خطأ.
تنزيه الاسم من توابع تنزيه المسمى.
وقال الزَّمَخْشَرِي١: "فيه معنيان، أحدهما تزايد خيره وتكاثر، أو تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله".
قلت: ولا تنافي بين المعنيين، كما قال الحسين بن الفضل وغيره.
وقال النَّضْرُ بن شُمَيْل: "سألت الخليل بن أحمد عن "تبارك" فقال: تمجَّد". وهذا٢ يجمع المعنيين: مجده في ذاته، وإفاضته٣ البركة على خلقه، فإن هذا هو حقيقة المجد، فإنَّه السَّعة، ومنه مَجُدَ الشيء: إذا اتسع، واستمجد، والعرش المجيد لسعته.
وقال بعض المفسرين: يمكن أن يقال: هو من البروك، فيكون تبارك ثبت ودام أزلًا وأبدًا، فيلزم أن يكون واجب الوجود، لأن ما كان وجوده من غيره لم يكن أزليًا.
وهذا قد يقال: إنه جزء المعنى، فتبارُكُه سبحانه يجمع هذا كله: دوامَ وُجودِهِ، وكثرةَ خيرِه، ومجدَهُ وعُلُوَّه، وعَظَمَتَه وتَقَدُّسَهُ، ومجيءَ الخيراتِ كلِّها من عنده، وتبريكَه على من شاء من خلقه،