وهذا هو المعهود من ألفاظ القرآن كلها١، أنها تكون دالة على جملة معان، فيُعَبِّر هذا عن بعضها، وهذا عن بعضها، واللفظ يجمع ذلك كله، وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع٢.
والمقصود الكلام على قوله: "وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على آل إبراهيم"، فهذا الدعاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته وثبوته له، ومضاعفته له٣ وزيادته، هذا حقيقة البركة.
وقد قال تعالى في إبراهيم وآله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ١١٢ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾[الصافات: ١١٢ - ١١٣]، وقال تعالى فيه وفي أهل بيته: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ٧٣﴾[هود: ٧٣].
وتأمل كيف جاء في القرآن: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾[الصافات: ١١٣] ولم يذكر إسماعيل.
وجاء في التوراة ذكر البركة على إسماعيل، ولم يذكر إسحاق، كما٤ تقدم حكايته. وعن إسماعيل: "سمعتك ها أنا باركته" فجاء في التوراة ذكر البركة في إسماعيل إيْذانًا بما حصل
(١) من (ظ) قوله (كلها) وسقطت من باقي النسخ.
(٢) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ١٨٥ - ١٨٧).
(٣) من (ح) (له)، وسقط من باقي النسخ.
(٤) في (ب، ش) (وقد تقدم ..)، وانظر ص ٢١٥.
لبنيه من الخير والبركة، لاسيما خاتمة بركتهم وأعظمها وأجلها رسول١ الله ﷺ، فنبههم بذلك على ما يكون في بنيه من هذه البركة العظيمة الموافية على لسان المبارك ﷺ، وذكر لنا في القرآن بركته على إسحاق منبهًا لنا على ما حصل في أولاده من نُبُوَّة موسى ﵇ وغيره، وما أُوتُوهُ من الكتاب والعلم، مستدعيًا من عباده الإيمان بذلك، والتصديق به، وأن لا يُهْمِلُوا٢ معرفة حقوق هذا البيت المبارك وأهل النبوة منهم٣، ولا يقول القائل: هؤلاء أنبياء بني إسرائيل لا تعلُّقَ لنا بهم، بل يجب علينا احترامهم وتوقيرهم، والإيمان بهم، ومحبتهم وموالاتهم، والثناء عليهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ولما كان هذا البيت المبارك المطهر أشرف بيوت العالم على الإطلاق خصهم الله ﷾ بخصائص:
* منها: أنه جعل فيه النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من أهل بيته.
* ومنها أنه سبحانه جعلهم أئمَّة يَهْدُون بأمره إلى يوم القيامة، فكل من دخل الجنة من أولياء الله بعدهم، فإنما دخل من طريقهم وبدعوتهم.