جلاء الأفهام

فجوَّز النبي ﷺ القراءة بكل حرف من تلك الأحرف، وأخبر أنه "شافٍ كافٍ"١، ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ بتلك الأحرف على سبيل البدل، لا على سبيل الجمع، كما كان الصحابة يفعلون.

الرابع: أن النبي ﷺ لم يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة في آن واحد، بل إما أن يكون قال هذا مرة، وهذا مرة كألفاظ الاستفتاح والتشهد، وأذكار الركوع والسجود وغيرها، فاتباعه ﷺ يقتضي أن لا يجمع بينها، بل يقال هذا مرة، وهذا مرة وإما أن يكون الراوي قد شك في أي الألفاظ قال، فإن ترجح عند الداعي بعضها صار إليه، وإن لم يترجح عنده بعضها كان مخيرًا بينها، ولم يشرع له الجمع، فإن هذا نوع ثالث لم يرد عن النبي ﷺ، فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آن واحد على مقصود الداعي بالإبطال؛ لأنه قصد متابعة الرسول، ففعل ما لم يفعله قطعًا.

ومثال ما يترجح فيه أحد الألفاظ حديث الاستخارة٢، فإن الراوي شك هل قال النبي ﷺ:

٣٢٤ - "اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني

  1. = الخطاب.
  2. (١) تقدم برقم (٢٠٨).
  3. (٢) تقدم قريبًا.
377

ومعاشي وعاقبة أمري"، أو قال: "وعاجل أمري وآجله"، بدل: "وعاقبة أمري"، والصحيح اللفظ الأول، وهو قوله: "وعاقبة أمري" لأن عاجل الأمر وآجله هو مضمون قوله: "ديني ومعاشي، وعاقبة أمري" فيكون الجمع بين المعاش وعاجل الأمر وآجله تكرارًا، بخلاف ذكر المعاش والعاقبة، فإنه لا تكرار فيه؛ فإن المعاش هو عاجل الأمر، والعاقبة آجله.

٣٢٥ - ومن ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قَرَأَ عَشْر آياتٍ مِنْ أوَّلِ سُوْرَة الكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتنة الدَّجَّال"، رواه مسلم١. واختلف فيه، فقال بعض الرواة٢: "من أول سورة الكهف"٣، وقال بعضهم٤: "من آخرها"؛ وكلاهما في

  1. (١) في (٦) صلاة المسافرين وقصرها (٨٠٩) من طريق هشام الدستوائي عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء فذكره.
  2. (٢) في (ظ، ج) (بعضهم) بدلًا من (بعض الرواة).
    وَهُم:
    ١ - سعيد بن أبي عروبة، عند أحمد في مسنده (٦/ ٤٤٩).
    ٢ - همام بن يحيى العوذي، عند مسلم (٨٠٩)، وأحمد (٦/ ٤٤٩)، وأبي داوود (٤٣٢٣).
    ٣ - شيبان بن عبد الرحمن، عند أحمد في مسنده (٦/ ٤٤٩).
  3. (٣) سقط من (ب، ت، ش) من قوله (عُصِم …) إلى، قوله (من أول سورة الكهف).
  4. (٤) هو شعبة بن الحجاج، عند مسلم (٨٠٩).
    وقد وقع عليه اختلاف آخر، فبعضهم رواه عنه، (من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف) وبعضهم جعل الحديث من مسند ثوبان، ورواية الجماعة أصح وأرجح.
378

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي