المستبشعة١ من عادة أهل العلم فَيُقتدى بهم في ذِكرِها وعَدِّها، والمُنْصِفُ خَصْمُ نفسه. فأي كتاب خالف الشافعي في هذه المسألة؟ أم أي سنة؟ أم أي إجماع؟ ولأجل أن قال قولًا اقتضته الأدلة وقامت على صِحَّتِه، وهو من تمام الصلاة بلا خلاف؛ إِمَّا تَمَام واجباتها، أو تمام مستحباتها، فهو ﵁ رأى أنه من تمام واجباتها بالأدلة التي سنذكرها بعد ذلك، فلا إجماعًا خَرَقَه، ولا نصًّا خالفه، فمن أيّ٢ وجه يشنع عليه؟ وهل الشناعة إلا بمن شنَّع عليه أليَق، وبه ألْحَق؟.
وأما قوله: "وهذا تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي اختاره الشافعي، وهو الذي علمه النبي ﷺ إيَّاه٣.. " إلى آخره.
فهكذا رأيته في النسخة "الذي اختاره الشافعي"، والشافعي إنما اختار تشهد ابن عباس، أما تشهد ابن مسعود ﵁، فأبو حنيفة وأحمد اختاراه، ومالك اختار تشهد عمر.
وبالجملة فجواب ذلك من وجوه:
أحدها: أنا نقول بموجب هذا الدليل، فإن مقتضاه وجوب التشهد، ولا ينفي وجوب غيره، فإنه لم يقل أحد٤: إن
(١) في (ب) (المستشبعة)، وفي (المستشبعة)، وفي (ح) (المستشبعة).
(٢) وقع في (ب) فقط (فلأيِّ وجه …).
(٣) سقط من (ظ، ت، ج) (إيّاه).
(٤) في (ب، ش) (فإن لم يقل إن هذا ..).
هذا التشهد هو جميع الواجب من الذِّكْر في هذه القَعْدة، فإيجاب الصَّلاة على النبي ﷺ بدليل آخر لا يكون معارضًا بترك تعليمه في أحاديث التشهد.
الثاني: أنكم تُوجبون السَّلام من الصَّلاة، ولم يعلِّمهم النبي ﷺ إيَّاه في أحاديث التشهد.
٣٣٨ - فإن قلتم: إنما وجب السلام بقوله ﷺ١: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". قيل لكم: ونحن أوجبنا الصلاة على النبي ﷺ بالأدلة المقتضية لها، فإن كان تعليم التشهد وحده مانعًا من إيجاب الصلاة على النبي ﷺ كان مانعًا من إيجاب السلام؛ وإن لم يمنعه لم يمنع وجوب الصلاة.
الثالث: أن النبي ﷺ كما علمهم التشهد علمهم الصلاة عليه، فكيف يكون تعليم التشهد دالًا على وجوبه، وتعليمه الصلاة لا يدل على وجوبها؟ فإن قلتم: التشهد الذي علمهم إياه هو تشهد الصلاة، ولهذا قال فيه:
٣٣٩ - "فإذا جلس أحدكم فليقل: التحيات لله"٢، وأما
(١) أخرجه الترمذي (٣)، وأبو داوود (٦١)، وابن ماجه (٢٧٥) وغيرهم. تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه لين. انظر: تهذيب الكمال (١٦/ ٧٨)، والحديث * صححه الترمذي كما يدل عليه كلامه. والضياء في المختارة (٧١٨) * وعدّه ابن عدي من منكرات ابن عقيل (٤/ ١٢٩).
(٢) تقدم قبل رقم ٣٣٢ وسيأتي برقم (٣٥٢)، من حديث ابن مسعود ﵁.