فإن قيل: فلِمَ أمره أن يُعيْدَ تلك الصلاة)١ ولم يعذره فيها٢ بالجهل؟ قلنا: لأن الوقتَ باقٍ، وقد عَلِمَ أركان الصلاة، فوجب عليه أن يأتي بها.
فإن قيل: فهلا أمر تارك الصلاة عليه بإعادة تلك٣ الصلاة كما أمر المسيء؟.
قلنا: أمره ﷺ بالصلاة عليه فيها مُحْكَم٤ ظاهر في الوجوب، ويحتمل أن الرجل لما سمع ذلك الأمر من النبي ﷺ بادر إلى الإعادة من غير أن يأمره النبي ﷺ بها٥، ويحتمل أن تكون الصلاة كانت٦ نفلًا لا تجب عليه إعادتها، ويحتمل غير ذلك، فلا يترك الظاهر من الأمر وهو دليل مُحْكَم لهذا المشتبه٧ المحتمل. والله ﷾ أعلم.
فحديث فضالة إِمَّا مشترك الدلالة على السَّواء، فلا حُجَّة لكم فيه، وإمَّا راجح الدلالة من جانبنا كما ذكرناه، فلا حجة لكم فيه
(١) سقط من (ش) من قوله (عذرًا له …) -إلى- (تلك الصلاة).
(٢) ليس في (ح).
(٣) في (ب) (ترك) وهو خطأ.
(٤) في (ظ، ج) (تحكم).
(٥) ليس في (ح).
(٦) من (ظ) قوله (كانت).
(٧) ليس في (ب).
أيضًا، فعلى١ التقديرين سقط احتجاجكم به.
قوله: لم يعلمها النبي ﷺ المسيء في صلاته، ولو كانت فرضًا لعلمها إياه، جوابه من وجوه:
أحدها: أن حديث المسيء هذا قد جعله المتأخرون مستندًا لهم في نفي٢ كل ما ينفون وجوبه، وحمَّلُوه فوق طاقته، وبالغوا في نفي ما اختلف في وجوبه به٣. فمن نفى وجوب الفاتحة احتجَّ به، ومن نفى وجوب التشهد احتجَّ به، ومن نفى وجوب التسليم٤ احتج به، ومن نفى وجوب الصلاة على النبي ﷺ احتج به، ومن نفى وجوب٥ أذكار الركوع، والسجود، وركني الاعتدال احتج به، ومن نفى وجوب تكبيرات الانتقال٦ احتج به. وكل هذا تساهل واسْتِرْسَال في الاستدلال، وإلا فعند التحقيق لا ينفي وجوب شيء من ذلك، بل غايته أن يكون قد سكت عن وجوبه ونفيه، فإيجابه بالأدلة الموجبة له لا٧ يكون معارضًا به.
فإن قيل: سكوته عن الأمر بغير ما أمره به يدلُّ على أنه ليس
(١) في (ظ، ت، ش، ج) (بَعْد).
(٢) سقط من (ش).
(٣) ليس في (ب، ت، ش) (به).
(٤) في (ب، ش) (ومن نفى وجوب التسليم احتج به). تتقدم أو تتأخر.