رِشْدِين١ في هذا: بينا رسول الله ﷺ قاعد إذ دخل رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول الله ﷺ: "عجلت٢ أيها المصلي، إذا صَلَّيْتَ فقعدتَ، فاحْمَدِ الله بما هو أهله، وصلِّ عليِّ، ثم ادْعُهْ".
وجواب هذا من وجوه:
أحدها: أن رشدين ضعفه أبو زرعة، وغيره، فلا يكون حجة مع استقلاله، فكيف إذا خالف الثقات٣ الأثبات، لأن كل من روى هذا الحديثما قال فيه: "سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو في صلاته".
الثاني: أن رشدين لم يقل في حديثه: إن هذا الداعي دعا بعد انقضاء الصلاة، ولا يدلُّ لفظه على ذلك، بل قال: "فصلى فقال: اللهم اغفر لي". وهذا لا يدل على أنه قال بعد فراغه من الصلاة. ونفْسُ الحديث دليل على ذلك، فإنه قال: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله"، ومعلوم أنه لم يُرِدْ بذلك الفراغ من الصلاة؛ بل الدخول فيها. ولا سيما فإنَّ عامَّة أدعية النبي ﷺ إنما
= من طريق رشدين بن سعد عن أبي هاني حميد بن هانيء الخولاني عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي عن فضالة فذكره.
(١) وقع في (ب) (رشيدين) وهو خطأ، ومثله ما بعده. انظر: تهذيب الكمال (٩/ ١٩٣ - ١٩٦).
(٢) إضافة من سنن الترمذي، وليست في جميع النسخ.
(٣) كعبد الله بن وهب، وحيوة بن شريح. عند أبي داوود (١٤٨١)، وابن خزيمة رقم (٧٠٩) وغيرهما.
كانت في الصلاة، لا بعدها، لحديث١ أبي هريرة، وعلي، وأبي موسى، وعائشة، وابن عباس، وحذيفة، وعمار٢، وغيرهم٣، ولم يَنْقُلْ٤ أحد منهم أنه ﷺ كان يدعو به في صلاته في حديث صحيح.
ولما سأله الصِّدِّيق٥ دعاءً يدعو به في صلاته لم يقل: ادع به خارج الصلاة، ولم يقل لهذا الداعي: ادع به بعد سلامك من الصلاة، لا سِيَّما٦ والمصلي مناجٍ ربَّه، مُقْبل عليه، فدعاؤه ربه تعالى في هذه الحال أنْسَب من دعائه له بعد انصرافه عنه وفراغه من مناجاته.
الثالث: أن قوله ﷺ: "فاحمد الله بما هو أهله"، إنما أراد به التشهد في القعود، ولهذا قال: "إذا صليت فقعدت"، يعني في تشهدك، فأمَرَه بحمد الله والثَّناء عليه، والصلاة على رسوله ﷺ.
الاعتراض الثالث: أن الموضع٧ الذي أمره أن يصلي فيه، ويدعو بعد تحميد الله غير مُعَيَّن٨، فلِمَ قلتم: إنه بعد التشهد.
وجواب هذا: أنه ليس في الصلاة موضع يشرع فيه الثناء على
(١) في (ب، ش) (كحديث).
(٢) سقط من (ب) ما بين القوسين.
(٣) انظر هذه الأحاديث في الوابل الصيب للمؤلف ص ٢٣٢ - ٢٣٥.