جلاء الأفهام

الأعرابي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي علي" ﷺ١. ولو تركنا وهذا المُرْسَل وحْده لم نحتجّ به، ولكن له أصول وشواهد قد تقدمت من تسمية تارك الصلاة عليه عند ذكره بخيلًا وشحيحًا، والدعاء عليه بالرغم، وهذا من موجبات جفائه.

والدليل على المقدمة الثانية: أن جفاءَه منافٍ لكمال حُبِّه، وتقديم محبته على النفس والأهل والمال، وأنه أولى بالمؤمن من نفسه؛ فإن العبد لا يؤمن٢ حتى يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من نفسه، ومن ولده، ووالده، والناس أجمعين، كما ثبت عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال:

٤١٦ - يا رسول الله! والله لأنْتَ أَحَبُّ إليَّ مِنْ كلِّ شيءٍ إلَّا مِنْ نَفْسِي. قال: "لَا يَا عُمَر! حَتَّى أكُوْنَ أحَبَّ إليكَ مِنْ نَفْسِك". قال: فَوَالله لأنْتَ الآنَ أحَبُّ إليَّ مِنْ نَفْسِي. قال: "الآنَ يَا عُمَر"٣.

٤١٧ - وثبت عنه في "الصحيح"٤ أنه قال: "لا يُؤْمِنُ أحَدُكُم

  1. (١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه كما في كنز العمال (١/ ٤٩١) رقم (٢١٥٦) والموجود في المطبوع (عن محمد بن على أبي جعفر مرسلًا، المصنف (٢/ ٢١٧).
  2. (٢) (سقط من (ب، ج) (لا يؤمن)، ووقع في (ب) (فإن المؤمن).
  3. (٣) أخرجه البخاري في (٨٦) الأيمان والنذور (٦٢٥٧) من حديث عبد الله بن هشام ﵁.
  4. (٤) أخرجه البخاري في (٢) الإيمان رقم (١٥)، ومسلم في (١) الإيمان رقم =
465

حتى أكُونَ أحبَّ إليْه مِن ولَدِه ووالدِه والنَّاسِ أجْمَعِيْن".

فذكر في هذا الحديث أنواع المحبَّة الثلاثة، فإنَّ المحبَّة إمَّا محبَّة إجلال وتعظيم؛ كمحبَّه الوالد، وإمَّا محبَّة تحنُّن١ وَودّ ولطف؛ كمحبَّة الولد، وإمّا محبَّة لأجْل الإحسان وصفات الكمال؛ كمحبَّة الناس بعضهم بعضًا، ولا يؤمن العبد حتى يكون حُبُّ الرَّسولِ ﷺ عنده أشدَّ من هذه المحابِّ كلِّها.

ومعلوم أن جَفَاءَه ﷺ ينافي ذلك.

قالوا: فلمَّا كانت مَحبَّته٢ فرضًا، وكانت توابعها من الإجلال والتعظيم والتوقير والطاعة والتقديم على النفس، وإيثاره بنفسه بحيث يقي نفسه بنفسه = فرضًا؛ كانت الصلاة عليه ﷺ إذا ذكر من لوازم هذه الأُحَبِّيَّة وتمامها. قالوا٣: وإذا ثبت بهذه الوجوه وغيرها وجوب الصلاة عليه ﷺ على من ذكر عنده، فوجوبها على الذاكر نفسه أولى، ونظير هذا أن سامع السجدة إذا أُمِرَ بالسُّجود إمَّا وجوبًا أو استحبابًا على القولين٤، فوجوبها على التَّالي أوْلى. والله أعلم.

  1. = (٤٤). من حديث أنس بن مالك ﵁.
  2. (١) من (ح)، وفي باقي النسخ (تحسين).
  3. (٢) من (ظ، ج) فقط، وفي باقي النسخ (أحبيّته).
  4. (٣) سقط من (ب، ش، ح)، (قالوا).
  5. (٤) سقط من (ظ) فقط قوله (على القولين).
466

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي