فصل الموطن الثالث والعشرون من مواطن الصلاة عليه ﷺ عند تبليغ العِلْم إلى الناس، وعند التَّذْكِير والقَصَصَ، وإلْقاء الدرس، وتعليم العِلْم، في أوَّلِ ذلك وآخرِه
٤٤٣ - قال إسماعيل بن إسحاق في كتابه١: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا حسين بن علي -وهو٢ الجعفي- عن جعفر بن بُرْقان، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: (أما بعد فإن أناسًا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإنَّ مِن القُصَّاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي ﷺ، فإذا جاءك كتابي هذا فمُرْهم أن تكون صلاتهم على النَّبيِّين ودعاؤهم للمسلمين عامَّة، ويَدَعُوا ما سِوى ذلك).
والصلاة على النبي٣ﷺ في هذا الموطن، لأنه موطن لتبليغ العلم الذي جاء به ونشره في أُمَّته، وإلقائه٤ إليهم، ودعوتهم إلى سُنَّته وطريقته ﷺ. وهذا من أفضل الأعمال وأعظمها نَفْعًا للعبد في الدنيا والآخرة.
(١) "فضل الصلاة على النبي ﷺ" رقم (٧٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٨٣) رقم (٣٥٠٨٣)، وسنده صحيح.
(٢) ليس في (ش).
(٣) في (ب، ش) (والصلاة عليه ﷺ).
(٤) في (ب، ش) (وألقى به).
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ٣٣﴾[فصلت: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾[يوسف: ١٠٨] وسواءٌ كان المعنى أنا، ومن اتبعني يدعو إلى الله على بصيرة، أو كان الوقف عند قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ ثم يبتدئ: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فالقولان متلازمان، فإنه أمره سبحانه أن يخبر أن سبيله الدعوة إلى الله، فمن دعا إلى الله تعالى فهو على سبيل رسوله ﷺ، وهو على بصيرة، وهو من أتباعه، ومن دعا إلى غير ذلك فليس على سبيله ولا هو على بصيرةٍ ولا هو من أتباعه.
فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم، وهم خلفاء الرسل في أُمَمِهم والناس تبع١ لهم؛ والله سبحانه قد أمر رسوله أن يُبَلِّغ ما أُنْزل إليه، وضَمِنَ له حفظه وعصمته من الناس، وهكذا المبلِّغون عنه من أُمَّته لهم من حفظ الله٢ وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم له، وقد أَمَرَ النبي ﷺ بالتبليغ عنه ولو آية٣، ودعا لمن بلغ عنه ولو حديثًا٤.. وتبليغُ سُنَّته إلى الأُمَّة أفضل من تَبْليغ السِّهام إلى نُحُور العَدُوّ، لأن ذلك التبليغ
(١) في (ب، ش) (تبعًا).
(٢) في (ش، ت، ظ) (حفظ الله لهم).
(٣) فقال (بلغوا عني ولو آية). أخرجه البخاري في (٦٤) الأنبياء (٣٢٧٤).
(٤) فقال: (نضَّر الله امرأً سمع منَّا شيئًا فبلغه كما سمع …). أخرجه الترمذي (٢٦٥٧)، وابن ماجه (٢٣٢). قال الترمذي: حسن صحيح، وقد ورد عن جماعة من الصحابة.