فهذا أخبر عن نفسه أن محبته لها مانع له من نسيانها)٢.
وقال آخر٣:
يُرَادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيَانكُموتَأْبَى الطِّبَاعُ على النَّاقِل
فأخبر أن حبهم وذكرهم قد صار طبعًا له، فمن أراد منه خلاف ذلك أبت عليه طباعه أن تنتقل عنه، والمثل المشهور: "من أحب شيئًا أكثر من ذكره"٤، وفي هذا الجناب الأشرف أحق ما أُنشد:
(١) في (ح) (من نسيت) و(ج) (فإذا) بدل (فاذكر) والبيت لم أقف عليه.
(٢) سقط من (ب، ش) من قوله (وقال آخر أريد لأنسى …) إلى قوله (له من نسيانها)، وانظر البيت لِكُثَيِّرِ عزَّة في ديوانه ص ١٠٨. ط: إحسان عباس.
(٣) هو المتنبي انظر ديوانه (٢/ ٢٦ - العرف الطَّيِّب).
(٤) انظر: مجمع الأمثال للميداني (٢/ ٣٢٩).
(٥) وقع في (ظ، ج) فقط (وجهه)، وفي (ش، ب) (قرى) بدلًا من (فرى)، والبيت لم أقف عليه.
فهذا قلب المؤمن: توحيدُ الله وذكرُ رسوله ﷺ مكتوبان فيه لا يتطرَّق إليهما١ مَحْو ولا إزالة، ولمَّا كانت كثرة ذكر الشيء موجبة لدوام محبَّته، ونسيانه سببًا لزوال محبته أو ضعفها، وكان الله سبحانه هو المستحقُّ من عباده نهاية الحبِّ مع نهاية التعظيم، بل الشرك الذي لا يغفره الله تعالى هو أن يُشْرك به في الحُبِّ والتَّعظيم، فيحِب غيره ويعظم من المخلوقات غيره٢، كما يحب الله تعالى ويعظمه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾[البقرة: ١٦٥]، فأخبر سبحانه أن المشرك يُحِبُّ النِّدَّ كما يُحِبُّ اللهَ تعالى، وأن المؤمن أشدُّ حُبًّا لله من كل شيء، وقال أهل النار في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ٩٨﴾[الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، ومن المعلوم أنَّهم إنَّما سَوُّوهم به سبحانه في الحبّ والتألّه والعبادة٣، وإلا فلمْ يقل أحد قطُّ إنَّ الصَّنَم أو غيره من الأنداد مساوٍ لرب العالمين ﷾ في صفاته، وفي أفعاله، وفي خلق السماوات والأرض، وفي خلق عباده٤ أيضًا، وإنما كانت التسوية في المحبة والعبادة.
وأضلُّ من هؤلاء وأسوأ حالًا مَنْ سوَّى كل شيء بالله سبحانه