أحدها: أنه يلزم منه حَذْف المفعول لـ "تركنا"، ولا يبقى في الكلام فائدة على هذا التقدير، فإن المعنى يؤول إلى أنا تركنا عليه في الآخرين أمرًا لا ذكر له في اللفظ، لأن السلام عند هذا القائل منقطع قبله، لا تعلق له بالفعل.
الثاني: أنه لو كان المفعول محذوفًا كما ذكروه، لذكره١ في موضع واحد، ليدل على المراد منه عند حذفه، ولم يطرد حذفه في جميع من أخبر أنه ترك عليه في الآخرين الثناء الحسن، وهذه طريقة القرآن، بل وكل كلام فصيح أن يذكر الشيء في موضع، ثم يحذفه في موضع آخر، لدلالة المذكور على المحذوف، وأكثر ما تجده٢ مذكورًا، وحذفه قليل، وأما أن يحذف حذفًا مطردًا، ولم يذكره في موضع واحد، ولا في اللفظ ما يدل عليه، فهذا لا يقع في القرآن.
= "يُذكر بخير". أخرجه الطبري (٢٣/ ٦٨)، وابن المنذر في تفسيره كما في الدر (٥/ ٥٢٤) وسنده حسن. وإنما المعروف بهذا اللفظ وروده عن قتادة قال: "أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين"، وهو صحيح عنه. أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٢٣) رقم (٢٥٢٧)، والطبري في تفسيره (٢٣/ ٦٨) واللفظ له.
(١) في (ح) (ذكره، لذكروه) وهو خطأ.
(٢) في (ش) (… ما تجده محذوفًا مذكورًا) وقوله (محذوفًا) خطأ.
الثالث: أن في قراءة ابن مسعود: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ٧٨ سَلَامًا﴾ بالنصب١، وهذا يدلُّ على أن المتروك هو السلام نفسه.
الرابع: أنه لو كان السلام منقطعًا٢ مما قبله؛ لأخلَّ ذلك بفصاحة الكلام وجزالته، ولَمَا حَسُنَ الوقوف على ما قبله، وتأمَّل هذا بحال السامع إذا سمع قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ كيف يجد قلبه متشوقًا٣ متطلعًا إلى تمام الكلام، واجْتِنَاء الفائدة منه، ولا يجد فائدة الكلام انتهت وتَمَّت ليطمئن عندها، بل يبقى طالبًا لتمامها، وهو المتروك، فالوقف على ﴿الْآخِرِينَ﴾ ليس بوقفٍ تامّ٤.
فإن قيل: فيجوز حذف المفعول من هذا الباب، لأن "ترك" هنا٥ في معنى٦ أعطى، لأنه أعطاه ثناء حسنًا أبقاه عليه في الآخرين، ويجوز في باب "أعطى" ذكر المفعولين، وحذفهما، والاقتصار على أحدهما، وقد وقع ذلك في القرآن، كقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ١﴾[الكوثر: ١] فذكرهما، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾[الليل: ٥]، فحذفهما، وقال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥﴾[الضحى: ٥]، فحذف الثاني، واقتصر على الأول.