مفتاح دار السعادة

يمكنكم١ إنكارُه وأنتم تقولون بالموازنة٢، وأنَّ من النَّاس من تستوي حسناتُه وسيئاتُه فيبقى في الأعراف بين الجنَّة والنَّار، لتقابُل مقتضى الثَّواب والعقاب٣ في حقِّه؛ فإنَّ حسناته قَصُرَت به عن دخول النَّار، وسيئاته قَصُرَت به عن دخول الجنَّة، وهذا ثابتٌ عن الصَّحابة حذيفة بن اليمان وابن مسعودٍ وغيرهما٤.

فالجوابُ من وجهين: مجملٍ ومفصَّل:

أما المجمل: فليس في شيءٍ مما ذكرتم دليلٌ على محلِّ النِّزاع، فإنَّ مَوْرِد النِّزاع أن تتقابل المصلحةُ والمفسدةُ وتتساويا٥، فيتدافعا ويبطُل أثرُهما، وليس في هذه الصُّور شيءٌ كذلك.

وهذا يتبيَّنُ بالجواب التفصيليِّ عنها صورةً صورة:

* فأمَّا من توسَّط أرضًا مغصوبة٦؛ فإنه مأمورٌ من حين دخل فيها بالخروج منها، فحكمُ الشارع في حقِّه المبادرةُ إلى الخروج، وإن استلزم ذلك حركةً في الأرض المغصوبة فإنها حركةٌ تتضمَّنُ ترك الغصب، فهي من

  1. (١) في الأصول: «عليكم». وهو تحريف.
  2. (٢) انظر: «طريق الهجرتين» (٨٢٩)، و«مدارج السالكين» (١/ ٢٧٨).
  3. (٣) في الأصول: «مقتضى العقاب». والمثبت من (ط).
  4. (٤) انظر: «تفسير الطبري» (٨/ ٣٦٠، ٣٦٣).
  5. (٥) في الأصول: «تساوتا». والأشبه ما أثبت من (ط).
  6. (٦) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٢٨٧)، و«مجموع الفتاوى» (١٦/ ٢١)، و«الموافقات» (١/ ٣٦٤)، و«البرهان» (١/ ٢٩٨)، و«الواضح» لابن عقيل (٥/ ٤٢٦)، و«المسودة» (٢٣٠)، وغيرها.
901

باب ما لا خلاص عن الحرام إلا به، وإن قيل: إنها واجبة، فوجوبٌ عقليٌّ لزوميٌّ لا شرعيٌّ مقصود.

فمفسدةُ هذه الحركة مغمورةٌ في مصلحة تفريغ الأرض والخروج عن الغصب. وإذا قُدِّر تساوي الجوانب بالنسبة إليه؛ فالواجبُ القدرُ المشتركُ وهو الخروجُ من أحدها.

وعلى كلِّ تقدير، فمفسدةُ هذه الحركة مغمورةٌ جدًّا في مصلحة ترك الغصب، فليس مما نحنُ فيه بسبيل.

* وأمَّا مسألةُ من توسَّط بين قتلى لا سبيل له إلى المقام أو النُّقلة إلا بقتل أحدهم١، فهذا ليس مكلَّفًا في هذه الحال، بل هو في حكم المُلْجَأ، والمُلْجَأ ليس مكلَّفًا اتفاقًا، فإنه لا قصدَ له ولا فِعل، وهذا مُلْجَأٌ من حيث إنه لا سبيل له إلى ترك النُّقلة عن واحدٍ٢ إلا إلى آخر؛ فهو مُلْجَأٌ إلى لُبْثِه فوق واحدٍ ولا بدَّ، ومثلُ هذا لا يوصفُ فعلُه بإباحةٍ ولا تحريمٍ ولا حكمٍ من أحكام التكليف؛ لأنَّ أحكام التكليف منُوطةٌ بالاختيار، فلا تتعلَّقُ بمن لا اختيار له.

فلو كان بعضهم مسلمًا وبعضهم كافرًا مع اشتراكهم في العصمة فقد قيل: يلزمه الانتقالُ إلى الكافر، أو المقامُ عليه؛ لأنَّ قتله أخفُّ مفسدةً من قتل المسلم، ولهذا يجوزُ قتلُ من لا نقتله في المعركة إذا تترَّس بهم الكفَّار، فيرميهم ويقصدُ الكفَّار.

  1. (١) انظر: «البرهان» (١/ ٣٠٢)، و«الواضح» (٥/ ٤٢٧، ٤٣٣)، و«إيضاح المحصول» للمازري (٢٣٠)، و«المسودة» (٢٣١)، وغيرها.
  2. (٢) (ت، ق): «غير واجد». (د): «غير واحد». والمثبت من (ط).
902

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي