* وأمَّا من طلع عليه الفجرُ وهو مجامع، فالواجبُ عليه النَّزعُ عينًا، ويحرُم عليه استدامةُ الجماع واللُّبث، وإنما اختُلِف في وجوب القضاء والكفَّارة عليه على ثلاثة أقوالٍ في مذهب أحمد وغيره١:
أحدها: عليه القضاءُ والكفَّارة، وهذا اختيارُ القاضي أبي يعلى.
والثَّاني: لا شيء عليه، وهذا اختيارُ شيخنا٢، وهو الصَّحيح.
والثَّالث: عليه القضاءُ دون الكفَّارة.
وعلى الأقوال كلِّها فالحكمُ في حقِّه وجوبُ النَّزع، والمفسدةُ التي في حركة النَّازع مفسدةٌ مغمورةٌ في مصلحة إقلاعه ونزعه؛ فليست المسألةُ من موارد النِّزاع.
* وأمَّا إذا تترَّس الكفَّارُ بأسرى من المسلمين بعدد المُقاتِلة٣، فإنه لا يجوزُ رميُهم إلا أن يخشى على جيش المسلمين٤، وتكون مصلحةُ حفظ الجيش أعظمَ من مصلحة حفظ الأُسارى، فحينئذٍ يجوزُ رميُ الأُسارى، ويكونُ من باب دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، فلو انعكس الأمرُ وكانت مصلحةُ بقاء الأسرى أعظمَ من رميهم لم يجُز رميُهم.
فهذا البابُ مبنيٌّ على دفع أعظم المفسدتين بأدناهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، فإن فُرِض الشكُّ وتساوي الأمرين لم يجُز رميُ الأسرى؛ لأنه على يقينٍ مِنْ قتلهم، وعلى ظنٍّ وتخمينٍ مِنْ قتل أصحابه وهلاكهم، ولو قُدِّر أنهم تيقَّنوا ذلك ولم يكن في قتلهم استباحةُ بيضة الإسلام وغلبةُ العدوِّ على الدِّيار لم يجُز أن يَقُوا نفوسَهم بنفوس الأسرى، كما لا يجوزُ للمُكرَه على قتل المعصوم أن يقتله ويَقِيَ نفسَه بنفسه، بل الواجبُ عليه أن يستسلم للقتل ولا يجعل النفوسَ١ المعصومة وقايةً لنفسه.
* وأمَّا إذا أُلقِيَ في مركبهم نار؛ فإنهم يفعلون ما يَرَوْن السَّلامة فيه، وإن شكُّوا: هل السَّلامةُ في مقامهم أو في وقوعهم في الماء؟ أو تيقَّنوا الهلاكَ في الصُّورتين، أو غلبَ على ظنِّهم غلبةً متساويةً لا يترجَّحُ أحدُ طرفيها، ففي الصُّور الثَّلاث قولان لأهل العلم٢، وهما روايتان منصوصتان عن أحمد:
إحداهما: أنهم يخيَّرون بين الأمرين، لأنهما موتتان قد عَرَضتا لهم، فلهم أن يختاروا أيسرهما عليهم، إذ لا بدَّ من أحدهما، وكلاهما بالنسبة إليهم سواءٌ، فيخيَّرون بينهما.
والقولُ الثَّاني: أن يلزمهم المقام، ولا يُعِينون على أنفسهم، لئلَّا يكون موتُهم بسببٍ من جهتهم، وليتمحَّصَ موتُهم شهادةً بأيدي عدوِّهم.
* وأمَّا الذي ضاق عليه وقتُ الوقوف بعرفة والصَّلاة؛ فإنَّ الواجبَ في