مفتاح دار السعادة

الشمس، والواجبُ في حقِّه المبادرةُ إلى الغُسل والصَّلاة، وهذا وقتُها في حقِّ أمثاله.

وعلى هذا القول الصَّحيح فلم يتعارض هاهنا مصلحةٌ ومفسدةٌ متساويتان، بل مصلحةُ الصَّلاة بالطَّهارة أرجحُ من إيقاعها في الوقت بالتيمُّم.

وفي المسألة قولٌ ثانٍ، وهو روايةٌ عن مالك: أنه يتيمَّمُ ويصلي في الوقت١، لأنَّ الشارع له التفاتٌ إلى إيقاع الصَّلاة في الوقت بالتيمُّم أعظمُ من التفاته إلى إيقاعها بطهارة الماء خارجَ الوقت، والعَدَمُ المبيحُ للتيمُّم هو العدمُ بالنسبة إلى وقت الصَّلاة لا مطلقًا، فإنه لا بدَّ أن يجد الماء ولو بعد حين، ومع هذا فأوجبَ عليه الشارعُ التيمُّم؛ لأنه عادمٌ للماء بالنسبة إلى وقت الصَّلاة، وهكذا هذا النَّائمُ، وإن كان واجدًا للماء لكنه عادمٌ بالنسبة إلى الوقت.

وصاحبُ هذا القول يقول: مصلحةُ إيقاع الصَّلاة في الوقت بالتيمُّم أرجحُ في نظر الشارع من إيقاعها خارجَ الوقت بطهارة الماء؛ فعلى كلا القولين لم تتساوَ المصلحةُ والمفسدة؛ فثبت أنه لا وجود لهذا القسم في الشَّرع.

وأمَّا مسألةُ اغتِلام البحر؛ فلا يجوزُ إلقاءُ أحدٍ منهم في البحر بالقُرعة ولا غيرها؛ لاستوائهم في العصمة وقَتْل من لا ذنبَ له وقايةً لنفس القاتل به

  1. (١) انظر: «المدونة» (١/ ٤٤)، و«النوادر والزيادات» (١/ ١١٠)، و«الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٣٠).
907

وليس أولى بذلك منه١.

نعم؛ لو كان في السَّفينة مالٌ أو حيوانٌ وجبَ إلقاءُ المال ثمَّ الحيوان؛ لأنَّ المفسدة في فوات الأموال والحيوانات أولى من المفسدة في فوات أنفُس النَّاس المعصومة.

وأمَّا سائرُ الصُّور التي تساوت مفاسدُها، كإتلاف الدِّرهمين والحيوانين وقتل أحد العدوَّين، فهذا الحكمُ فيه التَّخييرُ بينهما؛ لأنه لا بدَّ من إتلاف أحدهما وقايةً لنفسه، وكلاهما سواء، فيخيَّر بينهما، وكذلك العدوَّان المتكافئان يخيَّر بين قتالهما، كالواجب المخيَّر، وأولى٢.

وأمَّا من تساوت حسناتُه وسيئاتُه وتدافَع أثرهما، فهو حجَّةٌ عليكم؛ فإنَّ الحكمَ للحسنات، وهي تَغْلِبُ السَّيئات؛ فإنه لا يدخلُ النَّار ولكنه يبقى على الأعراف مدَّةً ثمَّ يصيرُ إلى الجنَّة؛ فقد تبيَّن غلبةُ الحسنات لجانب السَّيئات، ومنعُها من ترتُّب أثرها عليها، وأنَّ الأثر هو أثرُ الحسنات فقط.

فبانَ أنه لا دليل لكم على وجود هذا القسم أصلًا، وأنَّ الدَّليل يدلُّ على امتناعه.

فإن قيل٣: فما قولكم فيما إذا عارض المفسدةَ مصلحةٌ أرجحُ منها، وترتَّب الحكمُ على الراجح، هل يترتَّبُ عليه مع بقاء المرجوح من المصلحة والمفسدة، لكنه لما كان مغمورًا لم يُلْتَفت إليه؟ أو تقولون: إنَّ المرجوحَ زال أثرُه بالراجح، فلم يبق له أثر؟

  1. (١) انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (١٦٢٣).
  2. (٢) أي: أولى بالتخيير. وتحرفت في الأصول إلى: «والولي».
  3. (٣) (ت، د): «قيل لكم».
908

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي