مفتاح دار السعادة

يذكرُ مصالح أمره منبِّهًا بها على ذلك وأنه الله الذي لا إله إلا هو.

* وتارةً يختمُ آياتِ خلقه وأمره بأسماءٍ وصفاتٍ تناسبُها وتقتضيها.

والقرآنُ مملوءٌ من أوَّله إلى آخره بذكر حِكَم الخلق والأمر ومصالحهما ومنافعهما، وما تضمَّناه من الآيات الشَّاهدة له الدَّالَّة عليه، ولا يمكن من له أدنى اطِّلاعٍ على معاني القرآن إنكارُ ذلك.

وهل جعل الله سبحانه في فِطَر العباد استواءَ العدل والظُّلم، والصِّدق والكذب، والفُجور والعِفَّة، والإحسان والإساءة، والصَّبر والعفو، والاحتمال والطَّيش، والانتقام والحدَّة، والكرم والسَّماحة، والبَذْل والبُخل، والشُّحِّ والإمساك؟! بل الفطرةُ على الفُرقان بين ذلك كالفطرة على قبول الأغذية النَّافعة، وتركِ ما لا ينفعُ ولا يغذِّي، ولا فرق في الفطرة بينهما أصلًا.

وإذا تأمَّلتَ الشريعةَ التي بعث الله بها رسوله حقَّ التأمُّل وجدتها من أوَّلها إلى آخرها شاهدةً بذلك، ناطقةً به، ووجدتَ الحكمةَ والمصلحة والعدل والرحمة باديًا على صفحاتها، مناديًا عليها، يدعو العقول والألبابَ إليها، وأنه لا يجوزُ على أحكم الحاكمين ولا يليقُ به أن يشرع لعباده ما يضادُّها؛ وذلك لأنَّ الذي شرعها عَلِم ما في خلافها من المفاسد والقبائح والظُّلم والسَّفَه الذي يتعالى عن إرادته وشرعه، وأنه لا يصلُح العبادُ إلا عليها، ولا سعادة لهم بدونها البتَّة.

فتأمَّل محاسنَ الوضوء بين يَدَي الصَّلاة، وما تضمَّنه من النَّظافة والنَّزاهة ومجانبة الأوساخ والمستقذرات.

وتأمَّل كيف وُضِع على الأعضاء الأربعة التي هي آلةُ البطش والمشي،

915

ومَجْمَعُ الحواسِّ التي أكثرُ تعلُّق الذُّنوب والخطايا بها، ولهذا١ خصَّها النَّبيُّ ﷺ بالذِّكر في قوله: «إنَّ اللهَ كتب على ابن آدم حظَّه من الزِّنا أدركَ ذلك لا محالة؛ فالعينُ تزني وزناها النَّظر، والأذنُ تزني وزناها الاستماع، واليدُ تزني وزناها البطش، والرِّجلُ تزني وزناها المشي، والقلبُ يتمنَّى ويشتهي، والفرجُ يصدِّقُ ذلك أو يكذِّبه»٢.

فلمَّا كانت هذه الأعضاءُ هي أكثر الأعضاء مباشرةً للمعاصي، كان وَسَخُ الذُّنوب ألصَق بها، وأعلَق من غيرها؛ فشرع أحكمُ الحاكمين الوضوء عليها ليتضمَّن نظافتَها وطهارتها من الأوساخ الحِسِّية وأوساخ الذُّنوب والمعاصي٣.

وقد أشار النَّبيُّ ﷺ إلى هذا المعنى بقوله: «إذا توضَّأ العبدُ المسلم خرجت خطاياه مع الماء ــ أو: مع آخر قَطْر الماء ــ، حتى تخرجَ من تحت أظفاره»٤.

وقال أبو أمامة: يا رسول الله، كيف الوضوء؟ فقال: «أمَا فإنَّك إذا توضَّأتَ فغسلتَ كفَّيك فأنقيتَهما خرجَت خطاياكَ من بين أظفارك وأناملك، فإذا مَضْمَضْتَ واسْتَنْشَقْتَ بمَنْخِريك، وغسلتَ وجهَك ويديكَ إلى المرفقَين، ومسحتَ برأسك، وغسلتَ رجليكَ إلى الكعبين= اغتسلتَ من

  1. (١) (ق، ت): «قال ولهذا».
  2. (٢) أخرجه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧) من حديث أبي هريرة.
  3. (٣) انظر: «محاسن الشريعة» (٥٠)، و«إثبات العلل» للحكيم الترمذي (٩٠).
  4. (٤) أخرج مسلم (٢٤٤) شطره الأول من حديث أبي هريرة، وشطره الثاني (٢٤٥) من حديث عثمان.
916

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي