وأنواع الأقذار والأوساخ والأنتان والرائحة الكريهة، ويجعل ذلك مكانَ الطَّهارة والوضوء، وأنَّ الأمرين سواء، وإنما يحكمُ بمجرَّد المشيئة بهذا الأمر دون ضدِّه، ولا فرق بينهما في نفسِ الأمر؟! وهذا قولٌ تصوُّره كافٍ في الجزم ببطلانه.
وجميعُ مسائل الشريعة كذلك آياتٌ بيِّنات، ودلالاتٌ واضحات، وشواهدُ ناطقاتٌ بأنَّ الذي شرعها له الحكمةُ البالغة، والعلمُ المحيط، والرحمة والعنايةُ بعباده، وإرادةُ الصَّلاح لهم، وسَوْقِهم بها إلى كمالهم وعواقبهم الحميدة.
وقد نبَّه سبحانه عباده على هذا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، إلى قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[المائدة: ٦]؛ فأخبَر سبحانه أنه لم يأمرهم بذلك حَرَجًا عليهم، وتضييقًا ومشقَّة، ولكنْ إرادةَ تطهيرهم١ وإتمام نعمته عليهم، ليشكروه على ذلك، فله الحمدُ كما هو أهلُه، وكما ينبغي لكرم وجهه وعِزِّ جلاله.
فإن قيل: فما جوابكم عن الأدلَّة التي ذكرها نفاةُ التَّحسين والتَّقبيح على كثرتها؟
قيل: قد كَفَوْنا بحمد الله مُؤنةَ إبطالها بقَدْحِهم فيها، وقد أبطلها كلَّها
(١) (د، ق): «تطهرهم».
واعترض عليها فضلاءُ أتباعها وأصحابها: أبو عبد الله ابن الخطيب١، وأبو الحسن الآمِدي٢، واعتمد كلٌّ منهم على مسلكٍ من أفسد المسالك، واعتمد القاضي٣ على مسلكٍ من جنسهما في المفاسد، فاعتمد هؤلاء الفضلاءُ على ثلاث مسالك فاسدة، وتعرَّضوا لإبطال ما سواها والقَدْح فيه.
ونحن نذكرُ مسالكَهم التي اعتمدوا عليها، ونبيِّن فسادَها وبطلانها:
* فأمَّا ابنُ الخطيب، فاعتمد على المسلك المشهور، وهو أنَّ فعلَ العبد غيرُ اختياريٍّ، وما ليس بفعلٍ اختياريٍّ لا يكونُ حسنًا ولا قبيحًا عقلًا، بالاتفاق؛ لأنَّ القائلين بالحُسْن والقُبْح العقليَّين يعترفون٤ بأنه إنما يكونُ كذلك إذا كان اختياريًّا، وقد ثبت أنه اضطراريٌّ، فلا يوصفُ بحُسنٍ ولا قُبحٍ على المذهبين.
أمَّا بيانُ كونه غير اختياريٍّ، فلأنه إن لم يتمكَّن العبدُ من فعله وتركه فواضح؛ وإن كان متمكِّنًا من فعله وتركه كان جائزًا، فإمَّا أن يفتقر ترجيحُ الفاعليَّة على التَّاركيَّة إلى مرجِّحٍ أو لا؟ فإن لم يفتقر كان اتفاقيًّا، والاتفاقُ لا يوصفُ بالحُسن والقُبح، وإن افتَقر إلى مرجِّحٍ فهو مع مرجِّحه إمَّا [أن يكون] لازمًا وإمَّا جائزًا، فإن كان لازمًا فهو اضطراريٌّ، وإن كان جائزًا عاد
(١) محمد بن عمر، فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦). انظر: «السير» (٢١/ ٥٠٠)، و«لسان الميزان» (٤/ ٤٢٦).
(٢) علي بن أبي علي، سيف الدين، الأصولي المتكلِّم (ت: ٦٣١). انظر: «السير» (٢٢/ ٣٦٤)، و«لسان الميزان» (٣/ ١٣٤).
(٣) أبو بكر الباقلاني. تقدمت ترجمته.
(٤) في الأصول: «يعرفون». والمثبت من (ط)، وهو أجود.