مفتاح دار السعادة

النَّسخ على الفعل، لأنَّ ما ثبت للذَّات فهو باقٍ ببقائها لا يزولُ وهي باقية.

ومعلومٌ أنَّ الكذبَ يكونُ حسنًا إذا تضمَّن عصمةَ نبيٍّ١ أو مسلمٍ، ولو كان قبحُه ذاتيًّا له لكان قبيحًا أين وُجِد.

وكذلك ما نُسِخ من الشريعة لو كان حُسْنُه لذاته لم يَسْتَحِلْ قبيحًا، ولو كان قبحُه لذاته لم يَسْتَحِلْ حسنًا بالنَّسخ.

قالوا: وأيضًا، لو كان ذاتيًّا لاجتمع النقيضان في صِدْق من قال: «لأكذِبنَّ غدًا» وكَذِبِه؛ فإنه لا يخلو إمَّا أن يكذِبَ في الغد، أو يصدُق:

فإن كَذَبَ لزم قبحُه لكونه كذبًا، وحُسْنُه لاستلزامه صِدْقَ الخبر٢ الأوَّل، والمستلزمُ للحُسْن حَسَن؛ فيجتمعُ في الخبر الثَّاني الحُسْن والقُبح، وهما نقيضان.

وإن صَدَق لزم حُسْنُ الخبر الثَّاني من حيث إنه صدقٌ في نفسه، وقبحُه من حيث إنه مستلزمٌ لكذب الخبر الأوَّل؛ فلَزِم النقيضان.

قالوا: وأيضًا فلو كان القتلُ والجلدُ وقطعُ الأطراف قبيحًا لذاته أو لصفةٍ لازمةٍ للذات لم يكن حسنًا في الحدود والقصاص؛ لأنَّ مقتضى الذات لا يتخلَّفُ عنها، فإذا تخلَّف فيما ذكرنا من الصُّور وغيرها دلَّ على أنه ليس ذاتيًّا٣.

  1. (١) أي: سلامته ونجاته. وكذا وردت العبارة في «مختصر ابن الحاجب» وشروحه، وفيما سيأتي (ص: ٩٤٨). وفي (ط) وبعض المصادر: «عصمة دم نبي».
  2. (٢) (ق، د): «الجزء». في سائر المواضع الآتية. والمثبت من (ت) و«شرح المختصر».
  3. (٣) انظر: «التمهيد» للباقلاني (١٢٨، ٣٨٣ - ٣٨٦)، و«التقريب والإرشاد» (١/ ٢٨٤)، و«البرهان» (١/ ٩٠)، و«التلخيص» (١/ ١٦٠)، و«الإرشاد» (٢٣٣)، و«نهاية الأقدام» (٣٩)، و«بيان المختصر» (١/ ٢٩١)، و«رفع الحاجب» (١/ ٤٥٧).
927

فهذا تقريرُ هذا المسلك، وهو مِنْ أفسد المسالك؛ لوجوه:

أحدها: أنَّ كون الفعل حسنًا أو قبيحًا لذاته أو لصفةٍ لم نَعْنِ به أنَّ ذلك يقومُ بحقيقةٍ لا ينفكُّ عنها بحال، مثل كونه عَرَضًا، وكونه مفتقِرًا إلى محلٍّ يقوم به، وكون الحركة حركةً والسَّواد لونًا.

ومِنْ هاهنا غَلِط علينا المنازعون لنا في المسألة وألزمونا ما لا يلزمنا، وإنما نعني بكونه حسنًا أو قبيحًا لذاته أو لصفته: أنه في نفسه مَنْشَأٌ للمصلحة والمفسدة، وترتُّبهما عليه كترتُّب المسبَّبات على أسبابها المقتضية لها، وهذا كترتُّب الرِّيِّ على الشُّرب، والشِّبَع على الأكل، وترتُّب منافع الأغذية والأدوية ومضارِّها عليها.

فحسنُ الفعل أو قبحُه هو من جنس كون الدَّواء الفلانيِّ حسنًا نافعًا أو قبيحًا ضارًّا، وكذلك الغذاءُ واللباسُ والمسكنُ والجماعُ والاستفراغُ والنَّومُ والرياضةُ وغيرها، فإنَّ ترتُّبَ آثارها عليها ترتُّبَ المعلولات والمسبَّبات على عِلَلِها وأسبابها، ومع ذلك فإنها تختلفُ باختلاف الأزمان، والأحوال، والأماكن، والمحلِّ القابل، ووجود المعارِض.

فتخلُّف الشِّبَع والرِّيِّ عن الخبز واللحم والماء في حقِّ المريض ومن به علَّةٌ تمنعُه من قبول الغذاء لا تخرجُه عن كونه مقتضيًا لذلك لذاته حتى يقال: «لو كان كذلك لذاته لم يتخلَّف، لأنَّ ما بالذات لا يتخلَّف».

وكذلك تخلُّف الانتفاع بالدَّواء في شدَّة الحرِّ والبرد وفي وقت تزايد

928

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي