مفتاح دار السعادة

مصلحة لهم سواه، وشَوَّق١ بذلك النُّفوسَ إلى الشهادة له بالحُسْن والكمال والحكمة التَّامَّة.

فلما قرَّر ذلك كلَّه أعلمهم بما سيقول السُّفهاءُ من النَّاس إذا تركوا قبلَتهم لئلَّا يَفْجَأهم مِنْ غير علمٍ به فيعظُم موقعُه عندهم، فلمَّا وقع لم يَهُلْهُم، ولم يصعُب عليهم، بل أخبر أنَّ له المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.

ثمَّ أخبر أنه كما جعلهم أمَّةً وسطًا خيارًا اختار لهم أوسط جهات الاستقبال وخيرَها، كما اختار لهم خيرَ الأنبياء، وشرع لهم خيرَ الأديان، وأنزل عليهم خيرَ الكتب، وجعلهم شهداء على النَّاس كلِّهم لكمال فضلهم وعلمهم وعدالتهم. وظهرت حكمتُه في أن اختار لهم أفضلَ قبلةٍ وأشرفَها؛ لتتكامل جهاتُ الفضل في حقِّهم بالقِبلة٢ والرسول والكتاب والشريعة.

ثمَّ نبَّه سبحانه على حكمته البالغة في أن جعل القِبلة أوَّلًا هي بيتَ المقدس؛ ليعلمَ سبحانه واقعًا في الخارج ما كان معلومًا له قبل وقوعه ممَّن يتَّبعُ الرسول في جميع أحوالِه، وينقادُ له ولأوامر الربِّ تعالى ويَدِينُ بها كيف كانت وحيث كانت؛ فهذا هو المؤمنُ حقًّا الذي أعطى العبوديةَ حقَّها، ومن ينقلبُ٣ على عَقِبَيه ممَّن لم يَرْسَخ في الإيمان قلبُه، ولم يستقرَّ عليه

  1. (١) (د): «وشوف». وفي طرتها: «لعله: وشوق». وهو تعبيرٌ معهودٌ من المصنف. انظر: «الفوائد» (٢٨٢)، و«أيمان القرآن» (٤٩١)، و«طريق الهجرتين» (٤٧٦).
  2. (٢) (ت): «جهات الفضل في القبلة».
  3. (٣) معطوفٌ على قوله: «ممن يتبع الرسول ...».
935

قدمُه، فعارَض وأعرض ورجع على حافِرَته١، وشَكَّ في النُّبوَّة، وخالَط قلبَه شبهةُ الكفَّار الذين قالوا: إن كانت القبلةُ الأولى حقًّا فقد خرجتم عن الحقِّ، وإن كانت باطلًا فقد كنتم على باطل، وضاق عقلُه المنكوسُ عن القسم الثَّالث الحقِّ وهو أنها كانت حقًّا ومصلحةً في الوقت الأوَّل، ثمَّ صارت مفسدةً باطلةَ الاستقبالِ في الوقت الثَّاني.

ولهذا أخبر سبحانه عن عِظَم شأن هذا التَّحويل والنَّسخ في القبلة، فقال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣].

ثمَّ أخبر أنه سبحانه لم يكن يُضِيعُ ما تقدَّم لهم من الصَّلوات إلى القبلة الأولى، وأنَّ رأفتَه ورحمته بهم تأبى إضاعةَ ذلك عليهم وقد كان طاعةً لهم.

فلما قرَّر سبحانه ذلك كلَّه وبيَّن حُسْنَ هذه الجهة بعظمة البيت وعُلوِّ شأنه وجلالته، قال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وأكَّد ذلك عليهم مرَّةً بعد مرَّة، اعتناءً بهذا الشأن، وتفخيمًا له، وأنه شأنٌ ينبغي الاعتناءُ به، والاحتفالُ بأمره.

فتدبَّر هذا الاعتناءَ وهذا التقريرَ وبيانَ المصالح النَّاشئة من هذا الفرع من فروع الشريعة، وبيانَ المفاسد النَّاشئة من خلافه، وأنَّ كلَّ جهةٍ فهي في وقتها كان استقبالها هو المصلحة، وأنَّ للربِّ تعالى الحكمة البالغة في شَرْع القبلة الأولى وتحويل عبادِه عنها إلى المسجد الحرام.

  1. (١) أي الطريق الذي جاء منه. «اللسان» (حفر). وهو من أمثال العرب، يضربُ للراجع إلى عادته السوء. انظر: «مجمع الأمثال» (١/ ٣٠٨).
936

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي