مفتاح دار السعادة

وإذا تأمَّلتَ أمرَ الشرائع النَّاسخة والمنسوخة وجدتها كلَّها بهذه المنزلة؛ فمنها ما يكون وجهُ المصلحة فيه ظاهرًا مكشوفًا، ومنها ما يكون ذلك فيه خفيًّا لا يُدْرَكُ إلا بفضل فطنةٍ وجودة إدراك.

فصل

وهاهنا سرٌّ بديعٌ من أسرار الخلق والأمر، به يتبيَّنُ لك حقيقةُ الأمر؛ وهو أن الله لم يخلق شيئًا ولم يأمر بشيءٍ ثمَّ أبطله وأعدمه بالكلِّية، بل لا بدَّ أن يثبته بوجهٍ ما؛ لأنه إنما خلقه لحكمةٍ له في خلقِه، وكذلك أمرُه به وشرعُه إياه هو لِمَا فيه من المصلحة.

ومعلومٌ أنَّ تلك المصلحة والحكمة تقتضي إبقاءه، فإذا عارض تلك المصلحة مصلحةٌ أخرى أعظمُ منها كان ما اشتملت عليه أولى بالخلق والأمر، ويُبْقِي في الأولى١ ما شاء من الوجه الذي يتضمَّنُ المصلحة، ويكونُ هذا من باب تزاحم المصالح، والقاعدةُ فيها شرعًا وخلقًا تحصيلُها واجتماعُها بحسب الإمكان، فإن تعذَّر قدِّمت المصلحةُ العظمى وإن فاتت الصُّغرى.

وإذا تأمَّلتَ الشريعةَ والخلق رأيتَ ذلك ظاهرًا، وهذا سرٌّ قلَّ من تفطَّن له من النَّاس٢.

فتأمَّل الأحكام المنسوخة حكمًا حكمًا، كيف تجدُ المنسوخَ لم يبطُل بالكلِّية، بل له بقاءٌ بوجه:

  1. (١) (ت، ق): «ويبقى الأولى». والمثبت من (ط).
  2. (٢) (ت): «قل من تفطن إليه».
938

* فمن ذلك: نسخُ القبلة وبقاءُ بيت المقدس معظَّمًا محترمًا، تُشَدُّ إليه الرِّحال، ويُقْصَدُ بالسَّفر إليه وحطِّ الأوزار عنده، واستقباله مع غيره من الجهات في السَّفر، فلم يبطُل تعظيمُه واحترامُه بالكلِّية، وإن بطل خصوصُ استقباله بالصَّلوات، فالقصدُ إليه ليصلَّى فيه باقٍ، وهو نوعٌ من تعظيمه وتشريفه بالصَّلاة فيه، والتوجُّهُ إليه قصدًا لفضيلته وشرفه١ له نسبةٌ من التوجُّه إليه بالاستقبال في الصَّلوات.

فقُدِّم البيتُ الحرام عليه في الاستقبال؛ لأنَّ مصلحتَه أعظمُ وأكمل، وبقي قصدُه وشدُّ الرحال إليه والصَّلاةُ فيه مَنْشَأً للمصلحة؛ فتمَّت للأمَّة المحمَّدية المصلحتان المتعلِّقتان بهذين البيتين٢، وهذا نهايةُ ما يكونُ من اللُّطف وتحصيل المصالح وتكميلها لهم؛ فتأمَّل هذا الموضع.

* ومن ذلك: نسخُ التَّخيير في الصَّوم بتعيينه؛ فإنَّ له بقاءً وبيانًا ظاهرًا، وهو أنَّ الرجل كان إذا أراد أفطر وتصدَّق، فحصلت له مصلحةُ الصَّدقة دون مصلحة الصَّوم، وإن شاء صام ولم يَفْدِ، فحصلت له مصلحةُ الصَّوم دون الصَّدقة، فحُتِّمَ الصَّومُ على المكلَّف لأنَّ مصلحته أتمُّ وأكملُ من مصلحة الفدية، ونُدِبَ إلى الصَّدقة في شهر رمضان؛ فإذا صام وتصدَّق حصلت له المصلحتان معًا، وهذا أكملُ ما يكونُ من الصَّوم، وهو الذي كان يفعلُه النبيُّ ﷺ، فإنه كان أجودَ ما يكونُ في رمضان٣، فلم تبطُل المصلحةُ الأولى جملةً، بل قُدِّم عليها ما هو أكملُ منها وجوبًا، وشُرِع الجمعُ بينها وبين الأخرى ندبًا واستحبابًا.

  1. (١) في الأصول: «وشرعه». ولعل المثبت أشبه.
  2. (٢) (ت): «البيتين المعمورين».
  3. (٣) أخرجه البخاري (٦)، ومسلم (٢٣٠٨) من حديث ابن عباس.
939

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي