فلم تبطُل العقوبةُ عنها بالكلِّية، بل نُقِلت من عقوبةٍ إلى عقوبة، وكانت العقوبةُ الأولى أصلحَ في وقتها؛ لأنهم كانوا حَدِيثي عهدٍ بجاهلية وزنًا، فأُمِروا بحبس الزَّانية أوَّلًا، ثمَّ لما استوطنت أنفسُهم على عقوبتها، وخرجوا عن عوائدهم الجاهلية، ورَكنوا إلى التَّحريم والعقوبة= نُقِلوا إلى أغلظُ من العقوبة الأولى، وهو الرجمُ والجلد؛ فكانت كلُّ عقوبةٍ في وقتها هي المصلحة التي لا يُصْلِحُهم سواها.
وهذا الذي ذكرناه إنما هو في نسخ الحكم الذي ثبتَ شرعُه وأمرُه١، وأمَّا ما كان مُسْتَصْحَبًا بالبراءة الأصلية فهذا لا يلزمُ مِنْ رفعه بقاءُ شيءٍ منه؛ لأنه لم يكن مصلحةً لهم، وإنما أُخِّر عنهم تحريمُه إلى وقتٍ لضربٍ من المصلحة في تأخير التَّحريم، ولم يلزم من ذلك أن يكون مصلحةً حين فِعْلِهم إياه.
وهذا كتحريم الرِّبا٢ والمُسْكِر وغير ذلك من المحرَّمات التي كانوا يفعلونها استصحابًا لعدم التَّحريم؛ فإنها لم تكن مصلحةً في وقت، ولهذا لم يشرعها الله تعالى، ولهذا كان رفعُها بالخطاب لا يسمَّى نسخًا، إذ لو كان ذلك نسخًا لكانت الشريعةُ كلُّها نسخًا٣، وإنما النَّسخُ رفعُ الحكم الثَّابت بالخطاب، لا رفعُ مُوجَب الاستصحاب، وهذا متَّفقٌ عليه٤.
وأمَّا ما خلقه سبحانه؛ فإنه أوجده لحكمةٍ في إيجاده، فإذا اقتضت حكمتُه إعدامَه جملةً أعدَمه، وأحدث بدله، وإذا اقتضت حكمتُه تبديلَه وتغييره وتحويله من صورةٍ إلى صورةٍ بدَّله وغيَّره وحوَّله، ولم يُعْدِمه جملة.
ومن فَهِم هذا فَهِم مسألة المعاد وما جاءت به الرسلُ فيه؛ فإنَّ القرآن والسنَّة إنما دلَّا على تغيير العالم وتحويله وتبديله، لا جَعْلِه عدمًا محضًا وإعدامه بالكلِّية؛ فدلَّ على تبديل الأرض غيرَ الأرض والسَّموات، وعلى تشقُّق السَّماء وانفطارها، وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، وسَجْر البحار، وإنزال المطر على أجزاء بني آدم المختلطة بالتُّراب، فينبتون كما ينبتُ النَّبات، وتُردُّ تلك الأرواحُ بعينها إلى تلك الأجساد التي أُحِيلت١ ثمَّ أُنشِئت نشأةً أخرى، وكذلك القبورُ تُبعثَر، وكذلك الجبالُ تُسَيَّر ثمَّ تُنسَفُ وتصيرُ كالعِهْن المنفوش، وتَقِيءُ الأرضُ٢ يوم القيامة أفلاذَ أكبادها أمثال الأُسطوان من الذَّهب والفضة٣، وتُمَدُّ الأرض، وتدنو الشمسُ من رؤوس النَّاس.
فهذا هو الذي أخبر به القرآنُ والسنَّة، ولا سبيل لأحدٍ من الملاحدة
(١) (ت): «أحييت».
(٢) (ت): «وتلقي الأرض».
(٣) كما ورد في «صحيح مسلم» (١٠١٣). والأسطوان: جمع أسطُوانة، وهي السارية والعمود. والمعنى: أن الأرض تلقي ما فيها من الكنوز. وقيل: ما رسخ فيها من العُروق المعدنية. انظر: «إكمال المعلم» (٣/ ٥٣٣)، و«شرح النووي» (٧/ ٩٨).