مفتاح دار السعادة

الفلاسفة وغيرهم إلى الاعتراض على هذا المعاد الذي جاءت به الرسلُ بحرفٍ واحد، وإنما اعتراضاتهم على المعاد الذي عليه طائفةٌ من المتكلِّمين أنَّ الرسلَ جاؤوا به، وهو أنَّ الله يُعْدِمُ أجزاءَ العالم العُلويِّ والسُّفليِّ كلَّها، فيجعلُها عدمًا محضًا، ثمَّ يعيدُ ذلك العدم وجودًا١.

ويا ليت شِعْري أين في القرآن والسنَّة أنَّ الله يُعْدِمُ ذرَّات العالم وأجزاءه جملةً، ثمَّ يقلِبُ ذلك العدم وجودًا؟!

وهذا هو المعادُ الذي أنكرته الفلاسفةُ ورمتهُ بأنواع الاعتراضات وضروب الإلزامات، واحتاج المتكلِّمون إلى تعسُّف الجواب وتقريره٢ بأنواعٍ من المكابرات.

وأمَّا المعادُ الذي أخبرت به الرسلُ فبريءٌ من ذلك كلِّه، مصُونٌ عنه، لا مطمع للعقل في الاعتراض عليه، ولا يقدحُ فيه شبهةً واحدة.

وقد أخبر سبحانه أنه يحيي العظامَ بعد ما صارت رميمًا، وأنه قد عَلِمَ ما تنقُص الأرض من لحوم بني آدم وعظامهم، فيردُّ ذلك إليهم عند النَّشأة الثَّانية، وأنه ينشِاء تلك الأجساد بعينها بعد ما بَلِيَت نشأةً أخرى، ويَردُّ إليها تلك الأرواح؛ فلم يدلَّ القرآنُ على أنه يُعْدِم تلك الأرواح ويُفْنِيها حتى تصير عدمًا محضًا ثمَّ يخلقها خلقًا جديدًا٣، ولا دلَّ على أنه يُفْنِي الأرضَ

  1. (١) انظر: «الفوائد» (٥)، و«مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٢٥، ١٦/ ٢٧٧، ١٧/ ٢٤٦ - ٢٦١)، و«الصفدية» (٢/ ٣٢٨)، و«النبوات» (١/ ٣١٦).
  2. (٢) من قوله: «بأنواع الاعتراضات ...» إلى هنا ساقطٌ من (ت).
  3. (٣) (ق): «... ويرد إليها تلك الأرواح ويفنيها حتى تصير عدما محضا، فلم يدل القرآن على أنه يعدم تلك الأرواح ثم يخلقها خلقا جديدا». وفي (ط): «... ويرد إليها تلك الأرواح، فلم يدل على أنه يعدم تلك الأرواح ويفنيها حتى تصير عدما محضا، فلم يدل القرآن على أنه يعدم تلك الأرواح ثم يخلقها خلقا جديدا». والمثبت من (ت، د).
945

والسَّموات ويُعْدِمها عدمًا صِرْفًا ثمَّ يجدِّد وجودَهما، وإنما دلَّت النُّصوصُ على تبديلهما وتغييرهما من حالٍ إلى حال.

فلو أُعطِيَت النُّصوص حقَّها لارتفع أكثر النِّزاع من العالم، ولكن خَفِيَت النُّصوص، وفُهِمَ منها خلافُ مرادها، وانضافَ إلى ذلك تسليطُ الآراء عليها، واتِّباعُ ما تقضي به؛ فتضاعفَ البلاء، وعظُم الجهل، واشتدَّت المحنة، وتفاقَم الخَطب.

وسببُ ذلك كلِّه الجهلُ بما جاء به الرسول، وبالمراد منه؛ فليس للعبد أنفعُ من سَمْع ما جاء به الرسولُ وعَقْل معناه، وأمَّا من لم يسمعه ولم يَعقِله فهو من الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].

فلنرجِع إلى الكلام على الدَّليل المذكور١؛ وهو: «أنَّ الحُسْن أو القُبح لو كان ذاتيًّا لما اختلف ...» إلى آخره.

فنقول: قد بيَّنَّا أنَّ اختلافه بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال والشُّروط لا يخرجه عن كونه ذاتيًّا٢.

الثَّاني: أنه ليس المعنى مِنْ كونه ذاتيًّا إلا أنه ناشاءٌ من الفعل، فالفعلُ

  1. (١) (ت): «فلنرجع إلى الدليل المذكور».
  2. (٢) وهذا حاصل الوجه الأول، وهو ما مضى من (ص: ٩٢٨) إلى هنا.
946

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي